الجيش العظيم إذا كان فيه قوة وكان لله بنية خالصة، فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة، وقد قيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل لأن مقصده واحد منهم ليقتله، وذلك بيّن في قوله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} ).
ثم قال: (والصحيح عندي جواز الاقتحام على العساكر لمن لا طاقة له بهم، لأن فيه أربعة وجوه: الأول: طلب الشهادة، الثاني: وجود النكاية، الثالث: تجرئة المسلمين عليهم، الرابع: ضعف نفوسهم ليروا أن هذا صنع واحد فما ظنّك بالجمع) [61] .
وكل هذه الوجوه متحققة - ولله الحمد - في العمليات الاستشهادية.
وقال ابن عابدين رحمه الله: (لا بأس أن يحمل الرجل وحده وإن ظن أنه يقتل، إذا كان يصنع شيئًا بقتل أو بجرح أو يهزم، فقد نقل ذلك عن جماعة من الصحابة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ومدحهم على ذلك، فأما إن علم أنه لا ينكي فيهم فإنه لا يحل له أن يحمل عليهم لأنه لا يحصل بحمله عليه شيء من إعزاز الدين) [62] .
وقال الغزالي رحمه الله: (لا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل وإن علم أنه يقتل، وكما أنه يجوز أن يقاتل الكفار حتى يقتل جاز ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار كالأعمى يطرح نفسه على الصف أو العاجز فذلك حرام وداخل تحت عموم آية التهلكة، وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه لا يُقتل حتى يقتِل أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جرأته واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة وحبهم للشهادة في سبيل الله، فتكسر بذلك شوكتهم) [63] .
وقال ابن حزم رحمه الله: (لم ينكر أبو أيوب الأنصاري ولا أبو موسى الأشعري أن يحمل الرجل وحده على العسكر الجرار ويثبت حتى يقتل، وقد صح عنه عليه السلام أن رجلًا من أصحابه سأله ما يضحك الله من عبده قال:"غمسه يده في العدو حاسرًا"، فنزع الرجل درعه ودخل في العدو حتى قتل) [64] .
يتبين مما سقناه سابقا من الأدلة ونصوص أقوال أهل العلم؛ جواز إهلاك المسلم نفسه وإتلافها لمصلحة إعزاز الدين وإظهاره، وجواز تقحم المهالك في سبيل الله تعالى، وجواز التغرير بالنفس في الجهاد في سبيل الله تعالى، وجواز حمل المسلم على العدو الكثير وحده وإن غلب على ظنه أنه هالك لا محالة، وأن من فعل ذلك فهو ممن شري نفسه ابتغاء مرضات الله تعالى، وهو مأجور على فعله مرضي عنه - إن شاء الله تعالى -
وأن من أهلك نفسه في طاعة الله تعالى لا يدخل في النهي عن إلقاء النفس إلى التهلكة، ولا في النهي عن قتل النفس، إذ أن من قتل نفسه في طاعة الله فلا يكون ظالما ولا معتديا، وذلك لأن الله تعالى قد قيد النهي عن قتل النفس بقوله تعالى: {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا} ، يعني بذلك جل شأنه: {عدوانا} ؛ أي تجاوزا لما أباح الله له إلى ما حرمه عليه، {وظلما} ؛ يعني فعلا منه ذلك بغير ما أذن الله به وركوبا منه ما قد نهاه الله عنه [65] .
والعدوان هو مجاوزة الحق وتعديه، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، ولذلك فقد استدل العلماء بهذا القيد على إخراج أنواع من القتل من هذه الآية، وهو ما كان من القتل بحق كالقصاص وقتل المرتد وسائر الحدود الشرعية،