الصفحة 3 من 50

والأحاديث الصحيحة الصريحة في هذا المعنى كثيرة.

وهذا الانتحار؛ لا خلاف بين العلماء على تحريمه، وأن صاحبه مرتكب لكبيرة مستحق للنار، إما خالدًا فيها إذا استحل ذلك، أو يمكث فيها بغير خلود إن فعل ذلك بغير استحلال، وقد قال تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا فسوف نصليه نارًا وكان ذلك على الله يسيرا} .

قال القرطبي رحمه الله: ( {ولا تقتلوا} ، أجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضا، ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه، بقصد منه للقتل في الحرص على الدنيا وطلب المال أن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف، ويحتمل أن يقال؛ ولا تقتلوا أنفسكم في حال ضجر أو غضب، فهذا كله يتناوله النهي) [5] اهـ.

بل إن الشرع الحكيم قد نهانا عما هو أقل من ذلك، فنهى الرجل أن يتمنى الموت لضر نزل به، فإذا كان تمني الموت منهي عنه محرم فكيف بقتل النفس بسبب ضر نزل به؟!

فعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان ولا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي) [6] .

قال ابن حجر رحمه الله: (وقوله صلى الله عليه وسلم:"من ضر أصابه"، حمله جماعة من السلف على الضر الدنيوي، فإن وجد الضر الأخروي بأن خشي فتنة في دينه لم يدخل في النهي، ويمكن أن يؤخذ ذلك من رواية بن حبان:"لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا") [7] اهـ.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتمنين أحدكم الموت، إما محسنا فلعله يزداد، وإما مسيئا فلعله يستعتب) [8] .

وكل هذه النصوص وما ورد موردها والتي وردت بحرمة قتل النفس أو تمني الموت؛ علقت بسبب الضر أو الجزع أو عدم الصبر، وكل هذا ناتج عن انتفاء الإيمان أو نقصه، وليس ذلك لأجل مصلحة الدين وإعلاء كلمة الله.

والذي يقوم بالعمليات الاستشهادية لم يقدم على ما أقدم عليه إلا لقوة إيمانه بالغيب وليقينه بما عند الله، ولحبه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وتضحيته من أجل لدينه.

ومما يدل على أن مناط تحريم قتل النفس ليس لنفس الإقدام على القتل على أي صورة كانت، بل لما يحف به من عدم إيمان بالقدر أو سخط عليه أو لطلب دنيا؛ ما سيأتي من فعل الغلام الذي ذكره الله تعالى في كتابه في قصة أصحاب الأخدود، فقد أرشد الغلام الملك على كيفية قتله، وقد أثنى الشرع عليه لأنه لم يقدم على ذلك إلا رغبة بما عند الله ونصرًا لدينه، وهذا لا يصدر إلا ممن يؤمن بالله وينصر دينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت