ونبينا والذي قد نهى عن تمني الموت لضر نزل بالعبد، قد تمنى هو نفسه الموت في سبيل الله ثلاثا، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل) [9] .
قال ابن حجر رحمه الله في شرح باب"الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء"، من كتاب الجهاد من صحيح البخاري: (وجاز تمني الشهادة لما يدل عليه من صدق من وقعت له من إعلاء كلمة الله حتى بذل نفسه في تحصيل ذلك) [10] اهـ.
وقد أورد البخاري هذا الحديث في كتاب الجهاد، وبوب عليه: (باب؛ تمني الشهادة) ، وكذلك بوب عليه البيهقي: (باب؛ تمني الشهادة) ، وأورده أيضا البخاري في كتاب التمني في باب: (ما جاء في التمني ومن تمنى الشهادة) .
فتمنيه صلى الله عليه وسلم للقتل في سبيل الله تعالى مع نهيه عن تمنى الموت للضر يصيب العبد؛ دليل واضح على الفرق الجوهري بين القتلتين.
وقد ورد أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا: (يأتي على الناس زمان يمر الرجل على القبر، فيقول ياليتني كنت مكانك) [11] .
فالذي تمنى الموت هنا للضرر الحاصل في الدين، وليس ضجرا أو جزعا أو سخطا على القدر.
وللحديث رواية أخرى تدل على هذا.
عن أبي هريرة أيضا مرفوعا: (والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه، ويقول؛ يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر، وليس به إلا البلاء) .
وقد بوب مسلم على هذا الحديث: (باب؛ لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، أي في الدين) .
وهذا مما يدل أيضا على الفرق بين الموتتين، وقول ابن حجر السابق؛ يدل على هذا.
وقد قال أيضا رحمه الله: (قال ابن بطال: تغبط أهل القبور وتمنى الموت عند ظهور الفتن إنما هو خوف ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصي والمنكر) .