قال ابن حجر: (وليس هذا عاما في حق كل أحد، وإنما هو خاص بأهل الخير، وأما غيرهم فقد يكون لما يقع لأحدهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدينه ... ) .
إلى أن قال: (وقال ابن عبد البر: ظن بعضهم أن هذا الحديث معارض للنهي عن تمني الموت وليس كذلك، وإنما في هذا أن هذا القدر سيكون لشدة تنزل بالناس من فساد الحال في الدين أو ضعفه أو خوف ذهابه لا لضرر ينزل في الجسم، كذا قال وكأنه يريد أن النهي عن تمني الموت هو حيث يتعلق بضرر الجسم وأما إذا كان لضرر يتعلق بالدين فلا ... ) .
إلى قوله رحمه الله: (ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف، قال النووي: لا كراهة في ذلك بل فعله خلائق من السلف منهم عمر بن الخطاب ونصف الغفاري وعمر بن عبد العزيز وغيرهم ... ) .
إلى أن قال: (وقد أخرج الحاكم من طريق أبي سلمة، قال: عدت أبا هريرة، فقلت: اللهم اشف أبا هريرة، فقال: اللهم لا ترجعها، إن استطعت يا أبا سلمة فمت، والذي نفسي بيده ليأتين على العلماء زمان الموت أحب الى أحدهم من الذهب الأحمر، وليأتين أحدهم قبر أخيه فيقول: ليتني مكانه، وفي كتاب الفتن من رواية عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: يوشك أن تمر الجنازة في السوق على الجماعة، فيراها الرجل فيهز رأسه فيقول: يا ليتني مكان هذا، قلت: يا أبا ذر إن ذلك لمن أمر عظيم، قال: أجل) [12] اهـ.
فهذا تمني للموت ممدوح، لأنه ما تمناه إلا بسبب فساد الأحوال وسوء الأفعال وخوف ذهاب الدين أو تضرره، فجاز ذلك، ولا تدخل هذه الصورة في النهي عن تمني الموت البتة.
فالمنتحر الذي يستعجل الموت لضر أصابه في الدنيا أو لضجر أو جزع أو سخط على القدر شيء، ومن يقدم نفسه رخيصة في سبيل الله تعالى وفداء لدين الله تعالى؛ شيء آخر.
فإن الفدائي الذي يقدم على العمليات الاستشهادية يضحك الرب من فعله ويرضى عنه ويرضيه، وإذا ضحك ربك لأحد فلا يبأس بعدها أبدا، وما أقدم المجاهد على هذا النوع من العمليات إلا لقوة إيمانه ويقينه ولنصرة دين الله وطلبا لإعلاء كلمة الله، فالفرق بين القتلتين كالفرق بين السماء والأرض.
أما أثر العمليات الاستشهادية على العدو؛ فإننا -ومن خلال ما نعايشه ونلمسه ونسمعه - فقد رأينا أن أثرها على العدو عظيم، بل ليس من المبالغة أن نقول؛ إنه لا يوجد نوع من العمليات أعظم في قلوب الأعداء رعبًا من هذا النوع، وهذه العمليات أكثر الأساليب نكاية بالعدو وأقلها تكلفة وخسائر، فمن الناحية المعنوية؛ تأثيرها واضح على العدو، ففيها كسر لقلوبهم وإرعابًا لهم وتدميرًا لمعنوياتهم، ومن الناحية المادية؛ فغالبا ما تكون خسائر العدو فيها كبيرة.
ويدل على صحة هذا النوع من العمليات عدة أنواع من الأدلة سنذكرها ونصنفها حسب ما يُستفاد منها ودلالتها ...