المذهب الأول؛ وهو المنع مطلقا، وحكي عن مالك والأوزاعي وخالف فيه متأخروا المالكية:
قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما} : (هذه الآية دليل على مراعاة الكافر في حرمة المؤمن، إذا لم يكن إذاية الكافر إلا بإذاية المؤمن، قال أبو زيد: قلت لابن القاسم: أرأيت لو أن قوما من المشركين في حصن من حصونهم حصرهم أهل الإسلام وفيهم قوم من المسلمين أسارى في أيديهم أيحرق هذا الحصن أم لا؟ قال: سمعت مالكا وسئل عن قوم من المشركين في مراكبهم أنرمي في مراكبهم بالنار ومعهم الأسارى؟ فقال مالك: لا أرى ذلك لقوله تعالى لأهل مكة: {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما} ، وكذلك لو تترس كافر بمسلم لم يجز رميه، وإن فعل ذلك فاعل فأتلف أحدا من المسلمين فعليه الدية والكفارة، فإن لم يعلموا فلا دية ولا كفارة ... ) .
إلى أن قال: (قال ابن العربي: وكذلك قال مالك: وقد حاصرنا مدينة الروم فحبس عنها الماء، فكانوا يُنزلون الأسارى يستقون لهم الماء، فلا يقدر أحد على رميهم بالنبل فيحصل لهم الماء بغير اختيارنا، فقد جوز أبو حنيفة وأصحابه والثوري الرمي في حصون المشركين وإن كان فيهم أسارى من المسلمين وأطفالهم، ولو تترس كافر بولد مسلم رمي المشرك وإن أصيب أحد من المسلمين فلا دية فيه ولا كفارة، وقال الثوري: فيه الكفارة ولا دية، وقال الشافعي بقولنا وهذا ظاهر، فإن التوصل إلى المباح بالمحذور لا يجوز سيما بروح المسلم فلا قول إلا ما قاله مالك رحمه الله) .
قال القرطبي: (قد يجوز قتل الترس ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله، وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية، فمعنى كونها ضرورية أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس، ومعنى أنها كلية أنها قاطعة لكل الأمة، حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين، فإن لم يفعل قتل الكفار الترس واستولوا على كل الأمة، ومعنى كونها قطعية أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعا، قال علماؤنا: وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها، لأن الفرض أن الترس مقتول قطعا، فإما بأيدي العدو فتحصل المفسدة العظيمة التي هي استيلاء العدو على كل المسلمين، وإما بأيدي المسلمين فيهلك العدو وينجو المسلمون أجمعون، ولا يتأتى لعاقل أن يقول: لا يقتل الترس في هذه الصورة بوجه، لأنه يلزم منه ذهاب الترس والإسلام والمسلمين، لكن لما كانت هذه المصلحة غير خالية من المفسدة نفرت منها نفس من لم يمعن النظر فيها، فإن تلك المفسدة بالنسبة إلى ما يحصل منها عدم أو كالعدم، والله أعلم) [90] اهـ.
قلت: أما قول ابن العربي رحمه الله عن الشافعي: (وقال الشافعي بقولنا) ، فإن كان يقصد تحريم رمي المشركين إذا تترسوا بمسلمين فقد خالف فيه الصواب، فإن الشافعي رحمه الله أباح رمي المشركين إذا اختلط بهم المسلمون سواء تترسوا بهم أم لا - كما سيأتي من قوله إن شاء الله -
ويُلاحظ من قول من منع من قتل الترس أن هذا المنع إنما يكون في جهاد الطلب حيث يقصد المسلمون أهل الكفر في ديارهم وقلاعهم، وهذا واضح في مناط قول مالك رحمه الله، حيث كان ذلك في حصار حصن أو رمي مراكب الكفار، فإذا كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية فلا مانع من قتل من لا يستحق القتل، عَرَضَا لا قصدا، وهذه الصورة متحققة قطعا في جهاد الدفع حيث يقاتل الكفار الذين حلوا بديار المسلمين، والضرر العظيم من ترك قتالهم ودفعهم عائد على كل المسلمين ولا شك، والواقع خير شاهد على ما نقول.
وأما الاستدلال بالآية على المنع من قتل من لا يجوز قتله عند وجوب القتال فلا وجه له.