الصفحة 40 من 50

وأنقل هنا كلاما نفيسا للشيخ عبد القادر بن عبد العزيز حفظه الله، حيث قال عن هذا الاستدلال: (الجواب عن هذا الاستدلال من عدة أوجه، الأول: أن المنع من القتال يوم الحديبية كان منعا قدريا، ولا يجوز الاحتجاج بالقدر، وبيان ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قَصَد مكة معتمرا، فعزم أهل مكة على مَنْعِه من دخولها، فَعَزَم على قِتَالهم إن هم منعوه بعد مشاورة مع الصحابة، كما رواه البخاري؛ قال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، قال:(امضوا على اسم الله) [91] ، فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا العزم إلى أن توقفت ناقته عن المسير، فقال بعض الصحابة: خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل"، ثم قال:"والذي نفسي بيده لايسألوني خُطَّة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها" [92] ، أي منعها عن المسير إلى مكة الذي حبس الفيل وأبرهة عن مكة سبحانه وتعالى، فهذا منع قدري، فعَلِم النبي صلى الله عليه وسلم أن الله لم يأذن في هذا، فعزم النبي صلى الله عليه وسلم على قَبول الصلح، وشَرع فيه، ثم بلغه مقتل سفيره إلى أهل مكة وهو عثمان رضي الله عنه، فعندها عزم على القتال مرة أخرى وأخذ البيعة من أصحابه وهي بيعة الرضوان على ألا يفروا أو على الموت، ثم أُطْلِق عثمان وشاء الله تعالى أن يمضي الصلح، كل هذا والآية المُسْتَدل بها بل والسورة كلها - سورة الفتح - لم تكن قد نزلت بعد، وإنما نزلت عند الانصراف من الحديبية، وكما ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم عزم على القتال مرتين، الأولى عندما مَضَى فحُبِسَت ناقته والثانية عندما أَخَذَ البيعة، ومع عزمه على القتال في المرتين كان صلى الله عليه وسلم يعلم بوجود مؤمنين مستضعفين في مكة، وكان يعلم بعضهم عَيْنًا وكان يدعو لهم بالنجاة [93] ، فلم يمنعه وجود المستضعفين من العزم على القتال، بل القتال واجب لاستنقادهم لقوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ... } ، ولكن الله لم يأذن في القتال قدرا لا شرعا إذ لو مُنِع شرعا - بالوحي - لما مَضَى ولما أخذ البيعة، وهذا المنع القدري لحكمة يعلمها الله تعالى منها وجود المستضعفين بمكة، ومنها أن الصلح ترتب عليه نفع عظيم إذ أَمِن الناس فدخل في الإسلام أضعاف من دخله قبل، كما في الآية: {لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} [94] ، حتى سمى الله تعالى هذا الصلح فتحا.

الوجه الثاني: الخصوصية، وهي أن هذا المنع من القتال لاختلاط المؤمنين بالكفار في مكة كان خاصا بقصة الحديبية دون غيرها، ولا يستدل به على ما شابَهَهَا، وهذا القول بالخصوصية - إن شاء الله تعالى - هو الصواب، والله تعالى أعلم.

ودليل ذلك: أن الله سبحانه منع رسوله صلى الله عليه وسلم من غزو مكة يوم الحديبية [سنة 6هـ] منعا قدريا، ثم أَذِنَ له في غزوها بعد ذلك بسنتين يوم فتح مكة [سنة8 هـ] إذنا شرعيا، والبلد هو البلد - مكة - والمستضعفون لم يزل بعضهم بمكة كابن عباس رضي الله عنهما وغيره [95] ، وروى البخاري عن أبي هريرة قال:"لما فَتَحَ الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة، قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله حَبَسَ عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، فإنها لا تحل لأحد كان قبلي، وإنها أحلت لي ساعة من نهار وإنها لن لأحد من بعدي" [96] ، وبهذا تعلم أن المنع يوم الحديبية كان خاصا لأن نفس البلد أحل بعد ذلك، والبلد هو البلد، والمستضعفون لم يزل بعضهم بها.

ومما يدل على الخصوصية أيضا أن هناك مواقف خالط فيها المؤمنون الكافرين والعصاة، ووقع القتل أو العذاب بالجميع، ولم يَحُل دون ذلك منع قدري من الله تعالى كما حدث يوم الحديبية، فدل هذا على خصوصية النص بقصة الحديبية، ولا مانع من أن يحدث مثله قدرا، أما شرعا فليس بحجة.

ومن المواقف التي حدثت فيها المخالطة ولم يمنع القتل أو العذاب قدرا ما يلي:

ما رواه أبو داود والترمذي عن جرير بن عبد الله قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى خَثْعَم، فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر لهم بنصف العقل وقال:"أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لاتراءى نارهما" [97] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت