ومنها حديث البيداء الذي ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يَغْزُو هذا البيتَ جيشٌ من الناس فبينما هم ببيداء من الأرض إذا خُسِفَ بهم"، فقيل يا رسول الله: إن فيهم المُكْرَه، فقال:"يُبعثون على نياتهم"، وفي لفظ البخاري عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم"، قالت: قلت يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟! قال:"يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم".
ومنها ما رواه البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أنزَلَ الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم" [98] .
ومنها ما رواه البخاري عن أم المؤمنين زينب بنت جحش قالت:"أنهلك وفينا الصالحون؟"، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"نعم، إذا كثر الخبث" [99] .
ومنها ما رواه ابن حبان في صحيحه عن عائشة مرفوعا:"إن الله إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون، قُبِضُوا معهم ثم بُعِثُوا على نياتهم وأعمالهم".
وهذه الأحاديث كلها في معنى حديث البيداء.
قلت: والقول بالخصوصية ليس معناه أن المؤمن المخالط للكافرين لا حرمة له أو أنه مهدر الدم، لا بل هو معصوم بإيمانه أينما كان، وإنما القول بالخصوصية معناه أن هذه المخالطة ليست بمانعة من قتال الكافرين وإن تيقن أن بينهم مسلمين سيقتلون ضمنا، وذلك إذا اقتضت المصلحة الشرعية ذلك، وهذا هو ما استقر عليه قول جمهور الفقهاء [100] ، ويجب أن يشاع هذا العلم في المسلمين كي يَحْذَروا من مخالطة الكافرين ... ).
وبعد أن ذكر الشيخ قول القرطبي في الآية قال: (وهذا كلام يَشْفى العليل ويَرْوى الغليل، فإنه لا خلاف بين الأمة في وجوب حفظ الضروريات الخمس وهي الدين والنفس والنسل - النسب - والعقل والمال، ولا خلاف في أن حفظ الدين مقدم على حفظ النفس، ولهذا شُرِع الجهاد لحفظ الدين مع أن فيه ذَهَاب الأنفس والأموال، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعدًا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاة وَالإِنْجِيل وَالقُرْآن} ، وقال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} ، ولا شك أن الضرر النازل بالمسلمين من تسلط الحكام المرتدين عليهم، وما في ذلك من الفتنة العظيمة، هذا الضرر يفوق أضعافا مضاعفة قتل بعض المسلمين المكرهين في صف العدو أو المخالطين له عن غير قصد حال القتال، إن كثيرا من بلدان المسلمين تسير في طريق الردة الشاملة من جراء هؤلاء، فأي فتنة أعظم من هذا، هذه فتنة تفوق ما يصيب المسلمين بالجهاد من قتل أو سجن أو تعذيب أو تشريد، قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ} ، وقال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ} ، فيجب دفع المفسدة العظمى - فتنة الكفر والردة - بتحمل المفسدة الأخف - وهو ما يترتب على الجهاد من قتل وغيره - وهذا هو المقرر في القواعد الفقهية الخاصة بدفع الضرر، كقاعدة"الضرورات تبيح المحظورات"، وقاعدة"يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام"، وقاعدة"الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف"، وقاعدة"إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررا"، وقاعدة"يُختار أهون الشرين"وغيرها [101] .