الصفحة 47 من 50

يخف على المسلمين ففي جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء قولان مشهوران للعلماء، وهؤلاء المسلمون إذا قتلوا كانوا شهداء، ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدا، فإن المسلمين إذا قاتلوا الكفار فمن قتل من المسلمين يكون شهيدا، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يغزو هذا البيت جيش من الناس، فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم"، فقيل: يا رسول الله وفيهم المكره؟ فقال صلى الله عليه وسلم:"يبعثون على نياتهم"، فإذا كان العذاب الذي ينزله الله بالجيش الذي يغزو المسلمين ينزله بالمكره، فكيف بالعذاب الذي يعذبهم الله به أو بأيدي المؤمنين، كما قال تعالى: {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا} ) [108] اهـ.

وقال ابن قدامة رحمه الله: (وكذلك الحكم في فتح البثوق عليهم ليغرقهم إن قدر عليهم بغيره؛ لم يجز، إذا تضمن ذلك إتلاف النساء والذرية الذين يحرم إتلافهم قصدا، وإن لم يقدر عليهم إلا به جاز كما يجوز البيات المتضمن لذلك، ويجوز نصب المنجنيق عليهم، وظاهر كلام أحمد جوازه مع الحاجة وعدمها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف، وممن رأى ذلك الثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، قال ابن المنذر: جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نصب المنجنيق على أهل الطائف، وعن عمرو بن العاص أنه نصب المنجنيق على أهل الإسكندرية، ولأن القتال به معتاد فأشبه الرمي بالسهام) [109] اهـ.

وقال أيضا رحمه الله: (وإن تترسوا بمسلم ولم تدع حاجة إلى رميهم لكون الحرب غير قائمة، أو لإمكان القدرة عليهم بدونه، أو للأمن من شرهم لم يجز رميهم، فإن رماهم فأصاب مسلما فعليه ضمانه، وإن دعت الحاجة إلى رميهم للخوف على المسلمين جاز رميهم، لأنها حال ضرورة ويقصد الكفار، وإن لم يخف على المسلمين ولكن لم يقدر عليهم إلا بالرمي، فقال الأوزاعي والليث لا يجوز رميهم لقول الله تعالى: {ولولا رجال مؤمنون ... الآية} ، قال الليث: ترك فتح حصن قدر على فتحه أفضل من قتل مسلم بغير حق، وقال الأوزاعي: كيف يرمون من لا يرونه؟ إنما يرمون أطفال المسلمين، وقال القاضي والشافعي: يجوز رميهم إذا كانت الحرب قائمة، لأن تركه يفضي إلى تعطيل الجهاد، فعلى هذا إن قتل مسلما فعليه كفارة، وفي الدية على عاقلته روايتان) [110] اهـ.

وقال ابن النحاس رحمه الله: (لو تترس الكفار في قلعتهم بأسرى المسلمين وأطفالهم، فإن لم تدع ضرورة إلى رميهم تركناهم صيانة للمسلمين، وإلا فإن دعت ضرورة بأن تترسوا بهم في حال التحام الحرب، وكان بحيث لو كففنا عنهم ظفروا بنا، أو كثرت نكايتهم، أو تعذر أخذ قلعتهم، جاز رميهم في الأصح ويُتوقى المسلم بحسب الإمكان، هذا مذهب الشافعي وأحمد، وأجاز أبو حنيفة رميهم مطلقًا - أي بلا ضرورة - بالمنجنيق والنبل وغير ذلك بشرط توقي المسلم مهما أمكن، وعلى هذا لو تترسوا في مركب ونحوه بالمسلمين، والله أعلم) [111] اهـ.

والملاحظ من أقوال من أجاز رمي الترس من العلماء؛ أن ذلك في جهاد الطلب، حيث كان حديثهم عن قلعة تفتح يُقدَر على تركها، أو مركب للمشركين تُرمى فيه النار، أو عند الأمن من شر الكفار، وكل هذا في جهاد الطلب ولا شك، فإذا كان العلماء قد أجازوا رمي الكفار بمن فيهم ممن لا يجوز قتله ويُقصد في ذلك قتل الكفار إذا دعت حاجة الجهاد ومصلحة المقاتلين وأهل الإسلام إلى ذلك، فجواز مثل هذا الرمي في جهاد الطلب بالصفة التي ذكرنا أولى وأحرى، والله تعالى أعلم.

وبعد أن سردنا ما تيسر لنا من أقوال العلماء من المذاهب المختلفة في مسألة رمي الكفار إذا اختلطوا أو تترسوا بالمسلمين أو بمن لا يجوز قتلهم من النساء والصبيان أو الذميين أو المستأمنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت