المذهب الثالث؛ مذهب من قال بالتفصيل والتفريق بين الحاجة إلى ذلك وغير الحاجة:
قال الشافعي رحمه الله:(فإن قال قائل؛ كيف أجزت الرمي بالمنجنيق وبالنار على جماعة المشركين وفيهم الولدان والنساء وهم منهي عن قتلهم؟ قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم شن الغارة على بني المصطلق وهم غارون، وأمر بالبيات وبالتحريق، والعلم يحيط أن فيهم الولدان والنساء، وذلك أن الدار دار شرك غير ممنوعة، وإنما نهي أن تقصد النساء والولدان بالقتل إذا كان قاتلهم يعرفهم بأعيانهم للخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم سباهم فجعلهم مالا، فإن كان في الدار أسارى من المسلمين أو تجارا مستأمنون كرهت النصب عليهم بما يعم من التحريق والتغريق وما أشبهه غير محرم له تحريما بيّنا، وذلك أن الدار إن كانت مباحة فلا بيّن أن تحرق بأن يكون فيها مسلم يحرم دمه، وإنما كرهت ذلك احتياطا، ولأن مباحا لنا لو لم يكن فيها مسلم أن نجاوزها فلا نقاتلها، وإن قاتلناها قاتلناها بغير ما يعم من التحريق والتغريق، ولكن إذا التحم المسلمون فكان الذي يرون أنه ينكأ من التحمهم يغرقوه أو يحرقوه، كان ذلك لهم أن يفعلوه ولم أكرهه لهم بأنهم مأجورون أجرين؛ أحدهما الدفع عن أنفسهم، والآخر نكاية عدوهم غير ملتحمين.
فإن تترسوا بأطفال المشركين فقد قيل: لا يتوقفون ويضرب المتترس منهم ولا يعمد الطفل، وقد قيل: يكف عن المتترس بهم، ولو تترسوا بمسلم رأيت أن يكف عمن تترسوا به إلا أن يكون المسلمون ملتحمون، فلا يكف عن المتترس ويضرب المشركين ويتوقى المسلمين جهده، فإن أصاب في شيء من هذه الحالات أعتق رقبة) [106] اهـ.
وقال أيضا رحمه الله في العدو يغلقون الحصون على النساء والأطفال والأسرى، هل ترمى الحصون بالمنجنيق؟ قال: (إذا كان في حصن المشركين نساء وأطفال وأسرى مسلمون فلا بأس بأن ينصب المنجنيق على الحصن دون البيوت التي فيها الساكن، إلا أن يلتحم المسلمون قريبا من الحصن فلا باس أن ترمى بيوته وجدرانه، فإذا كان في الحصن مقاتلة محصنون رميت البيوت والحصون، وإذا تترسوا بالصبيان المسلمين أو غير المسلمين والمسلمون ملتحمون فلا بأس أن يعمدوا المقاتلة دون المسلمين والصبيان، وإن كانوا غير ملتحمين أحببت الكف عنهم حتى يقاتلوهم غير متترسين) [107] .
ويظهر من قول الشافعي رحمه الله؛ المعنى الذي ذكرناه سابقا، من أن ترك قتل المسلم المختلط بأهل الكفر إنما يكون إذا كان هناك مندوحة لأهل الإسلام في ترك قتال الكفار، وهذا قد يكون في بعض صور جهاد الطلب غير المتعين، حيث يطلب المسلمون أهل الكفر في ديارهم وحصونهم، وذلك واضح في قوله رحمه الله: (ولأن مباحا لنا لو لم يكن فيها مسلم أن نجاوزها فلا نقاتلها، وإن قاتلناها قاتلناها بغير ما يعم من التحريق والتغريق، ولكن إذا التحم المسلمون فكان الذي يرون أنه ينكأ من التحمهم يغرقوه أو يحرقوه كان ذلك لهم أن يفعلوه ولم أكرهه لهم بأنهم مأجورون أجرين؛ أحدهما الدفع عن أنفسهم، والآخر نكاية عدوهم غير ملتحمين) انتهى.
أما إذا كان المسلمون يدافعون عن دينهم وحرماتهم، وقد أحاط بهم أهل الكفر من كل جانب، وإن ظفروا بهم ساموهم سوء العذاب وقتلوهم، أو حل الكفار أو المرتدون بديار المسلمين يريدون حملهم على الكفر بقوة السلاح، وأن يقيموا فيهم أحكام الكفار - وهذا هو حال المسلمين اليوم - ففي هذه الحالة يتعين على كل مسلم قتال هؤلاء بما يستطيعه من أنواع القتال، ولا يُترك القتال الواجب المتعين لأجل من يُقتل من المسلمين عرضا لا قصدا، وكان من يُقتل في ذلك من أهل الإسلام يبعث على نيته بين يدي الله تعالى ونرجو أن يكون شهيدا.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين، وخيف على المسلمين إذا لم يقاتلوا؛ فإنهم يقاتلون، وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم، وإن لم