ولذلك قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآيات:(قال علماؤنا: أعلمَ الله عز وجل المؤمنين من هذه الأمة في هذه الآية ما كان يلقاه من وحّد قبلهم من الشدائد يؤنسهم بذلك، وذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم قصة الغلام ليصبروا على ما يلاقون من الأذى والآلام والمشقات التي كانوا عليها، ليتأسوا بمثل هذا الغلام في صبره وتصَلبه في الحق وتمسكه به وبذله نفسه في حق إظهار الدعوة ودخول الناس في الدين، مع صغر سنه وعظم صبره، وكذلك الراهب صبر على التمسك بالحق حتى نُشر بالمنشار، وكذلك كثير من الناس لما آمنوا بالله تعالى ورسخ الإيمان في قلوبهم صبروا على الطرح في النار ولم يرجعوا في دينهم.
قال ابن العربي: وهذا منسوخ عندنا، قلت: ليس بمنسوخ عندنا، وأن الصبر على ذلك لمن قويت نفسه وصلب دينه أولى، قال الله تعالى مخبرا عن لقمان: {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} .
ورُوي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر" [16] ، وروى ابن سنجر - محمد بن سنجر - عن أميمة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كنت أُوضِئ النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل قال: أوصني، فقال:"لا تشرك بالله وإن قطعت أو حرقت بالنار ..." [17] .
قال علماؤنا: ولقد امتُحن كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالقتل والصلب والتعذيب الشديد ولم يلتفتوا إلى شيء من ذلك، ويكفيك قصة عاصم وخبيب وأصحابهما وما لقوا من الحروب والمحن والقتل والأسر والحرق وغير ذلك، وقد مضى في سورة النحل أن هذا إجماع ممن قوي في ذلك فتأمله هناك) [18] اهـ.
فأمر الغلام للملك بقتله لا يمكن أن يكون ظلما وعدوانا -كما سيأتي في الإجماع الذي حكاه ابن حجر رحمه الله - ولا يمكن أن يكون إلقاء بالنفس إلى التهلكة - كما سيأتي في تفسير قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ، وما ورد فيها عن عمر وأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهما - بل كان لمصلحة إظهار الدين فمُدح على ذلك.
ولذلك فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تعليقه على هذا القصة: (وفيها: أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين، ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد - مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره - كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك أول) [19] اهـ.
ويتضح من قول شيخ الإسلام استدلالا بقصة الغلام أن من فعل ما يعلم أنه مقتول به لأجل مصلحة الجهاد؛ أنه لا حرج عليه ولا يدخل في الوعيد الوارد في قتل النفس.
هذا ولا يجوز أن يُعترض على الاستدلال بقصة الغلام بأنه من شرع من قبلنا، فقد احتج بها شيخ الإسلام وغيره في المسألة، وهذا من شرع من قبلنا الذي جاءت الشريعة ببيان صحته وإقراره [20] .