وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما كانت الليلة التي أسري بي فيها أتت علي رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال: هذه رائحة ما شطة ابنة فرعون وأولادها، قلت: ما شأنها؟ قال: بينا هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم إذ سقطت المدرى من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا ولكن ربي ورب أبيك الله، قالت: أخبره بذلك، قالت: نعم، فأخبرته فدعاها، قال: يا فلانة وإن لك ربًّا غيري؟ قالت: نعم ربي وربك الله، فأمر ببقرة من نحاس فأحميت - أي قدر كبير - ثم أمر بها أن تُلقى هي وأولادها فيها، قالت له: إن لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا، قال: ذلك لك علينا من الحق، قال: فأمر بأولادها فألقوا بين يديها واحدا واحدا إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضع، وكأنها تقاعست من أجله، قال: يا أمه اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فاقتحمت ... ) [21] .
وفي الحديث أن الله تعالى أنطق الطفل ليأمر أمه بالاقتحام في النار، وهذا كطفل المرأة التي في قصة أصحاب الأخدود، ولو كان في قتل النفس للدين أي محظور؛ لما أثنى الشارع على هذا الفعل، وما إنطاق الطفل إلا آية لبيان فضل هذا الفعل.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط سرية عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة وهو بين عسفان ومكة، ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل، كلهم رام فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرا تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب فاقتصوا آثارهم، فلما رآهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد وأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزلوا وأعطونا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ولا نقتل منكم أحدا، قال عاصم بن ثابت أمير السرية: أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة، فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق، منهم خبيب الأنصاري وابن دثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم، إن في هؤلاء لأسوة، يريد القتلى، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فأبى، فقتلوه، فانطلقوا بخبيب وابن دثنة حتى باعوهما بمكة) [22] .
فانظر كيف أبي هؤلاء الصحابة الكرام أن ينزلوا في ذمة كافر، وهم يعلمون أنهم مقتولون، وكذلك الذي ائتسى بهم فلم يصحب أهل الغدر، وهو يعلم أنهم قاتلوه، ولا شك أن ذكر حكايتهم وإخبار الله تعالى لنبيه بقصتهم دلالة على صحة ما فعلوه.
وعن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه قال: سمعت أبي وهو يحضرة العدو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف) ، فقام رجل رث الهيئة فقال: يا أبا موسى أأنت سمعت رسول الله يقول هذا؟ قال: نعم، فرجع الرجل إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل [23] .
وفي الحديث دلالة واضحة أن هذا الصحابي الكريم علم أنه مقتول، ولذلك فقد سلم على أصحابه سلام مودع، وأقره على ذلك من كان حاضرا من الصحابة وغيرهم، وفيه دلالة على جواز الإقدام في موطن يعلم صاحبه أنه مقتول إن كان ذلك في سبيل الله تعالى وخدمة لدينه.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: (من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟) ، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم