الصفحة 11 من 50

رهقوه أيضا، فقال: (من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟) ، فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أنصفنا أصحابنا) [24] .

فقد تقدم هاهنا سبعة من الأبطال واحدا تلو الآخر للدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل واحد يرى صاحبه الذي تقدمه قد قتل، حتى قتل السبعة جميعهم، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنهم جميعا رفقاءه في الجنة، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟) ، إشارة إلى أن من سيتقدم فهو مقتول، ومع ذلك تقدم جميعهم.

وعن أنس رضي الله عنه قال: (لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم مجوب به عليه بحجفة له - وكان أبو طلحة رجلًا راميًا شديد القد، يكسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول انثرها لأبي طلحة - فأشرف النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: يا نبي الله بأبي أنت وأمي لا تشرف يصبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك) [25] .

وقول أبي طلحة رضي الله عنه: (نحري دون نحرك) ، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم له دلالة على جواز فداء القائد بالنفس، وفداء الدين أولى وأعظم.

وفي معركة اليرموك؛ ولما طال القتال قال عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه يومئذ: (قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل موطن، وأفر منكم اليوم؟!) - أي من الروم - ثم نادى: (من يبايع على الموت) ، فبايعه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعًا جراحًا وقتلوا إلا من برأ، ومنهم ضرار بن الأزور، قال: وأتي خالد بعدما أصبحوا بعكرمة جريحا فوضع رأسه على فخذه، وبعمرو بن عكرمة فوضع رأسه على ساقه، وجعل يمسح عن وجوههما ويقطر في حلوقهما الماء ويقول: (كلا، زعم ابن الحنتمة أنا لا نستشهد) [26] .

وورد أيضا أن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه ترجل يومها، فقال له خالد بن الوليد رضي الله عنه: (لا تفعل، فإن قتلك على المسلمين شديد) ، فقال: (خل عني يا خالد، فإنه قد كان لك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقة، وإني وأبي كنا من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، فمشى حتى قتل [27] .

فقد بايع عكرمة هاهنا جمع من الصحابة وغيرهم على الموت، بل قد ترجل عكرمة نفسه وأقرهم من كان معهم من الصحابة وغيرهم، وفي هذا دليل واضح على جواز الإقدام في موطن يعلم المتقدم فيه؛ أنه مقتول، إن كان ذلك في سبيل الله تعالى.

وقد ورد أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما اصطرع يوم الجمل مع الأشتر النخعي، واختلفا ضربتين، ولما رأى عبد الله أن الأشتر سينجو منه، قال كلمته المشهورة: (اقتلوني ومالكًا) .

وقال الشعبي: (إن الناس كانوا لا يعرفون الأشتر باسم مالك، ولو قال ابن الزبير؛ اقتلوني والأشتر، وكانت للأشتر ألف ألف نفس، ما نجا منها شيء) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت