ومن هذا النص نستطيع أن نخرج حكم المرابحة للآمر بالشراء بالوعد الملزم ونجيب على الأسئلة التي طرحت أعلاه مع الاستعانة بالأحكام والقواعد الفقهية المقررة في كتب المذهب، وذلك ضمن المباحث التالية:
أولا: شرح وتحليل نص الإمام الشافعي وبيان الأحكام المستفادة منه.
ثانيا: حكم البيوع المنهي عنها في المذهب الشافعي.
ثالثا: تخريج حكم بيع المرابحة للآمر بالشراء وفقا لقواعد مذهب الإمام الشافعي.
المبحث الأول
شرح وتحليل نص الإمام الشافعي
في النص المنقول آنفا عن الإمام الشافعي يفرق الإمام بين صورتين لبيع المرابحة:
الصورة الأولى: الوعد بالشراء مرابحة
في هذه الصورة يعد أحد طرفي التعاقد الطرف الآخر أنه إذا اشترى سلعة ما فسيشتريها منه بعد ذلك ويربحه فيها، دون أن يلزم الطرفان أنفسهما بالعقد.
وقد ذكر الإمام الشافعي عددا من الأشكال لهذه الصورة وبين أنها في الحكم سواء. وهي كالتالي:
-أن يعين المشتري السلعة ويأمر البائع بشرائها مع ربح معلوم.
-أن يصف المشتري السلعة التي يريدها مع ربح غير محدد.
-أن يأمر المشتري بشراء أي سلعة يحددها البائع ويعده بأن يربحه فيها ربحا غير محدد.
-أن يكون التواعد بشراء السلعة بثمن حال أو بدين يؤدي في المستقبل
وحكم هذه الصورة بأي من هذه الأشكال التي يتواعد عليها ما يلي:
أن الطرفين بالخيار؛ فالطرف الأول (الموعود له) مخير في شراء السلعة التي عينها أو وصفها له الواعد. والواعد كذلك بالخيار في تنفيذ وعده بأن يشتري السلعة من الموعود إذا قام الأخير بشرائها.
وحتى يكون هذا التعاقد صحيحا يشترط ما يلي:
أولا: أن لا يلزم الطرفان نفسهما بالعقد (وسيأتي شرح ذلك في الصورة الثانية) .
ثانيا: أن يعقد الطرفان عقد بيع على السلعة عقدا مستقلا بنفسه. بمعنى أن لا يكتفيا بالوعد السابق في تنفيذ الوعد دون إجراء تبايع بين الطرفين للسلعة. وهذا هو معنى الإمام الشافعي"فإن جدداه جاز"أي جدد الطرفان وعدهما السابق بعقد لاحق.
ثالثا: أن يكون هذا التعاقد بعد أن يقوم الموعود له بشراء السلعة وتملكها وحيازتها. إما لو تعاقدا على البيع وقبل أن يتملك الموعد له السلعة فإن البيع غير صحيح لما فيه من بيع ما لا يملك، ولو تعاقدا بعد شراء السلعة وقبل حيازتها فإن البيع غير صحيح لأنه باع ما لم يضمن.