في هذه الصورة يظهر فيها نية الطرفين في إلزام نفسيهما بما اتفقا عليه دون أن يكون لهما أو لأحدهما الخيار في الرجوع عن اتفاقه.
وحكم هذه الصورة أن البيع مفسوخ لعدم صحته، وأرجع الإمام الشافعي سبب عدم الصحة إلى علتين:
الأولى: أن هذه الصورة فيها بيع البائع لما لا يملك؛ حيث ألزم الطرفين أنفسهما بالبيع قبل أن يشتري البائع السلعة ويمتلكها.
الثانية: أن هذا الاتفاق معلق على شرط فهو عقد غير ناجز، ولا يصح تعليق العقد على شرط مثل أن يقول الرجل للآخر اشتريت منك سيارتك إذا جاء أبي من السفر.
والسؤال الذي نحاول الإجابة عليه: ما معنى"إلزام الطرفين أنفسهما"في قول الشافعي"وإن تبايعا به على أن ألزما أنفسهما الأمر الأول فهو مفسوخ"وما هي الصورة التي يتحقق فيه إلزام الطرفين أنفسهما.
تفسير هذه العبارة تحتمل أحد تأويلين:
الأول: إن يتحقق إلزام النفس بالوعد اللازم،
الثاني: أن إلزام النفس هو بالتعاقد.
وسوف نحقق فيما يلي أي التأويلين الذي يتحقق به معنى إلزام النفس بما اتفق عليه الطرفان.
التأويل الأول: إلزام النفس بالوعد الملزم
ومثال صورة إلزام النفس بالوعد الملزم كأن يقول الطرف الأول للطرف الثاني إذا ابتعت هذه السلعة سأشتريها منك بربح كذا، وهذا وعد ألزمت نفسي به ولا خيار لي في الرجوع عنه.
وهذا التأويل يؤخذ عليه ما يلي:
أولا: أن الوعد في فقه الشافعية غير لازم سواء في ذلك في عقود المعاوضات أو عقود التبرع. ومقتضى عدم اللزوم أن من صدر عنه الوعد هو بالخيار في تنفيذ ما وعد به، وإلزام الواعد نفسه بالوعد لا يغير من طبيعة الوعد بأنه وعد، أي أن مجرد تأكيد الالتزام بالوعد لا ينقل الوعد من كونه وعدا إلى التزام أو تعاقد. وبالتالي فإن الواعد وإن ألزم نفسه بالوعد فلا يزال له الخيار في تنفيذ وعده أو عدم تنفيذه.
ثانيا: إسقاط الواعد حقه في خيار شراء السلعة من الموعود له إذا ابتاعها الأخير هو إسقاط لحق قبل ثبوته، فلا يعتد بهذا الإسقاط؛ لأن إسقاط الحق لم يثبت للواعد بعد. و الواعد لا يثبت له حق