وقع اليأس عن مالكه. وبالضرورة يعلم أن صرفه إلى خير أولى من إلقائه في البحر.
مما قدمناه من تحليل للإمام الغزالي يبدو أن المال الحرام إذا لم يعلم مستحقه، أنه يجب على من دخل في حوزه أن يخرجه مطهرا ماله منه. وقد جرى على أقلامهم أنه يتصدق به. وفي التعبير بالتصدق وجه مسامحة. ذلك أن الصدقة لا تكون إلا من مال طيب. ولأن المال الحرام لا يملكه حائزة. لأن الملك الحقيقي لله. ولم يأذن سبحانه للإنسان أن يتصرف تصرف الملاك إلا فيما دخل في حوزة بالوجه الذي شرعه وأباحه. فالتعبير هو أن يجرى مجرى الصدقة في تمكين المحاويج منه. وإن قيل هل يثاب عن عمله هذا؟ فإن الذي يترجح عندي أنه مثاب على استجابة أمر ربه في تطهير ما دخل في حوزة من المال الخبيث. وليس مثابا ثواب الصدقة.
خامسًا: لمن يصرف مال الربا بعد أن تبين لنا أن مال الربا لا يستطيع المقيد في حسابه من مؤسسة أو فرد أن يعرف حظ كل متعامل مع البنك الربوي وما أخذ منه؟
أنه للحكم عليه لابد من معرفة طبيعته. والذي اطمأننت إليه بعد تقليب أوجه النظر أنه يجري مرجى مال الفيء وذلك:
وأنه مال أخذ من مؤسسة مالية يملكها غير المسلمين، أو يملكها مسلمون يقتحمون ما حرمه الله من الربا. وما انتزع من الكافر بغير قتال هو الفيء. ومثله ما أخذ من البنوك التي يملكها مسلمون يستحلون الربا. نقل القرطبي في المسألة الحادية والثلاثين في تفسيره لآية الربا من سورة البقرة عن ابن عباس: (من كان مقيما على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه) ونقل عن ابن خويز منداد: (ولو أن أهل بلد اصطلحوا على الربا استحلالا كانوا مرتدين) والحكم فيهم حكم أهل الردة، وان لم يكن ذلك استحلالا جاز للإمام محاربتهم إلا ترى أن الله تعالى أذن في ذلك فقال: فأذنوا بحرب من الله ورسوله (7) .