أبدأ الكلام على الفرع الأول: (فداء الأسير المرتد بالأسير المجاهد) ، بطرح مسألة والجواب عنها.
وصورة المسألة هي: هل إذا أدى إقامة الحد إلى تفويت مصلحة أعظم من مصلحة إقامته جاز للإمام الاعتداد بأعظم المصلحتين وإن أدى ذلك إلى تأخير الحد أو إسقاطه؟، أم لا يسعه إلا تنفيذ الحد وإن ترتب عليه ما ترتب .. ؟.
والجواب ـ والله أعلم بالصواب ـ:
قدمنا فيما سبق أن الأحكام الشرعية إنما شرعت من أجل تحقيق مصالح ودرء مفاسد يستوي في ذلك الأحكام الجزئية والقواعد الكلية يقول الإمام الشاطبي رحمه الله في هذا المعنى:.
(فإن الشريعة قد ثبت أنها تشتمل على مصلحة جزئية في كل مسألة، وعلى مصلحة كلية في الجملة، أما الجزئية، فما يعرب عنها دليل كل حكم وحكمته .. ) [1] اهـ.
وقال رحمه الله: ( .. لما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد كانت الأعمال معتبرة بذلك؛ لأنه مقصود الشارع فيها كما تبين، فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية؛ فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقا والمصلحة مخالفة؛ فالفعل غير صحيح وغير مشروع؛ لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها، وإنما قصد بها أمور أخر هي معانيها، وهي المصالح التي شرعت لأجلها؛ فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع؛ فليس على وضع المشروعات) [2] اهـ
قال عبد الرحمن السنوسي معقبا على كلام الشاطبي المذكور: (إذن، فكما لا يستقيم استقلال المصلحة عن موجهات الحكم الشرعي القاطع، والقواعد المقررة في التشريع ـ: كذلك لا يصح أن تكون الأصول اللفظية هي وحدها مصدر المشروعية في التصرفات، لأنه تقرر على وجه القطع إثبات التلازم بين منطوق النص الشرعي ومحتواه، أي بين المدلول الظاهر والأهداف المرادة من إطلاقه) [3] اهـ.
(1) (ـ الموافقات(5/ 77) :
(2) (ـ (الموافقات(3/ 120) :
(3) (ـ(اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات ص 412)