كما قدمنا أن النظر في أحكام الشريعة يجب أن يكون متكاملا غير مجزأ أعني أن لا تفصل الأحكام الجزئية المتعلقة بمسألة معينة عن كلياتها ولا عن مقاصد الشريعة العامة التي تعد هي المنار والدليل الذي يقود إلى إصابة الحق وتنزيل الأحكام الشرعية على مناطاتها الصحيحة، كما أنها هي الميزان الذي يلجأ إليه عند تعارض الأدلة.
(فلا يصلح بحال عند استنباط الأحكام أن تنفصل عن غاياتها، وأن تنفك عن مقاصدها، أو مصالحها، وكل أمر تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو رد، وتكاليف الشريعة راجعة إلى تحقيق مقاصدها في الخلق ولا بد. وإنما يضيع الدين بين جامد وجاحد، ذاك ينفر الناس بجموده، والآخر يضلهم بجحوده) [1] اهـ
وعلى هذا السبيل سار الأئمة رحمهم الله تعالى في تقرير الأحكام وبيانها فلم يكونوا يقطعون الأدلة الجزئية عن كلياتها، ولا يستغنون عن الأدلة الجزئية اكتفاء بكلياتها.
يقول د. أحمد الريسوني تحت عنوان (التفسير المصلحي للنصوص) :.
(وقد ينفر بعض الناس من هذه العبارة، وقد يتوجسون منها خيفة. ولهذا أبادر فأقول: إنني لا أفعل أكثر من تقرير أمر واقع مستقر في عمل الفقهاء جميعًا، باستثناء الظاهرية، وأعني بذلك أن تفسير الفقهاء للنصوص، واستنباطهم منها، تستحضر فيه وتستصحب المعاني والحكم والمصالح التي يعمل الشرع على تحقيقها ورعايتها. وهو ما يكون له أثره في فهم النص وتوجيهه والاستنباط منه، فقد يصرف النص عن ظاهره، وقد يقيد أو يخصص، وقد يعمم وظاهره الخصوصية.
ودور العقل هنا يتمثل في تقدير المصلحة التي يستهدف النص تحقيقها، إذا لم يكن مصرحًا بها طبعًا، ثم تفسير النص بما يحققها، مع عدم الغفلة عن مختلف المصالح والمفاسد التي لها صلة بموضوع ذلك النص .. ) [2] اهـ.
وهذا ما حدا بالأئمة رحمهم الله تعالى عند محاولة استنباطهم أحكام الوقائع من النصوص الشرعية أن يتعرفوا ويتلمسوا حكمة الأحكام الشرعية التي قصدها الشارع من شرعية تلك الأحكام، حتى تكون استنباطاتهم متساوقة مع قصد الشارع ولا يقعوا في مناقضته، وليس من منهجهم تنزيل النصوص الشرعية على الوقائع تنزيلا اعتباطيا لا تراعى
(1) (ـ(فقه الأولويات في الخطاب السلفي بعد الثورة ص 132) د. محمد يسري إبراهيم.
(2) (ـ نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي(1/ 258)