ترغيبا في الإسلام لمن أراد الدخول فيه من أهل الذمة، فإن كثيرا منهم يمنعهم من الدخول في الإسلام خوف أن يموت أقاربهم، ولهم أموال فلا يرثون منهم شيئا.
وقد سمعنا ذلك منهم من غير واحد منهم شفاها، فإذا علم أن إسلامه لا يسقط ميراثه ضعف المانع من الإسلام وصارت رغبته فيه قوية، وهذا وحده كاف في التخصيص، وهم يخصون العموم بما هو دون ذلك بكثير، فإن هذه مصلحة ظاهرة يشهد لها الشرع بالاعتبار في كثير من تصرفاته، وقد تكون مصلحتها أعظم من مصلحة نكاح نسائهم، وليس في هذا ما يخالف الأصول .. ) [1] اهـ
فلفظ (الكافر) الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم (لا يرث المسلم الكافر) مفرد محلى ب (الـ) فهو على هذا من صيغ العموم، والعام ظاهر في دلالته على أفراده وليس نصا، ومعنى كونه ظاهرا أنه يقبل التخصيص، فـ (الكافر الحربي والذمي) فرد من أفراد هذا العام يشملهما حكمه فلا يرث المسلم من قريبه الحربي ولا من قريبه الذمي شيئا.
ولكن طرد هذا العموم في مثل الحال الذي ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى حتى يشمل الذمي يؤدي إلى مفسدة عظيمة وهي عزوف أهل الذمة عن الدخول في الإسلام، لأن الذمي الذي أقرباؤه أغنياء إذا قلنا له ـ تعميما للنص ـ بأنك إن دخلت في الإسلام فإنك لن ترث من قريبك الكافر شيئا فإن ذلك يصده عن سبيل الله وهذا لا شك مفسدة عظيمة، ولهذا رأى أهل العلم رحمهم الله تخصيص هذا العموم بمثل هذه المصلحة الظاهرة (دخولهم في الإسلام) ، وقالوا بتوريث أهل الذمة في مثل هذه الحال من أقربائهم الكفار، وهذا نظرا لوجود العارض (مفسدة عدم دخولهم في الإسلام) ، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله في كلامه السابق: ( .. فإذا علم أن إسلامه لا يسقط ميراثه ضعف المانع من الإسلام وصارت رغبته فيه قوية، وهذا وحده كاف في التخصيص، وهم يخصون العموم بما هو دون ذلك بكثير، فإن هذه مصلحة ظاهرة يشهد لها الشرع بالاعتبار في كثير من تصرفاته .. ) اهـ.
وكذلك ما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم: (( نهى أن تقطع الأيدي في الغزو ) )، وهو حديث صحيح، مع أن السارق في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة:38] ، هو أيضا مفرد محلى بـ (الـ) التي تفيد العموم أي أن القطع يعم كل من سرق، لكن إقامة الحد في
(1) (ـ أحكام أهل الذمة(2/ 855)