الصفحة 17 من 48

مثل هذه الحال (الغزو) يؤدي إلى مفسدة أعظم من مصلحة إقامة الحد، وهي لحوق المحدود بالكفار مرتدا، ومراعاة لهذا العارض نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إقامته.

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (فهذا حد من حدود الله تعالى، وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضبا كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم، وقد نص أحمد وإسحاق بن راهويه والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام في أرض العدو، وذكرها أبو القاسم الخرقي في مختصره فقال: لا يقام الحد على مسلم في أرض العدو.

وقد «أتى بشر بن أرطاة برجل من الغزاة قد سرق مجنه فقال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا تقطع الأيدي في الغزو لقطعت يدك ) ) [رواه أبو داود] .

وقال أبو محمد المقدسي: وهو إجماع الصحابة.

روى سعيد بن منصور في سننه بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه عن عمر كتب إلى الناس أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجل من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار. وعن أبي الدرداء مثل ذلك.

وقال علقمة: كنا في جيش في أرض الروم، ومعنا حذيفة بن اليمان، وعلينا الوليد بن عقبة، فشرب الخمر، فأردنا أن نحده، فقال حذيفة: أتحدون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعوا فيكم؟) [1] اهـ.

ويقول الشيخ عبد الرحمن بن معمر السنوسي حفظه الله عن هذا الحديث:.

(إقامة الحد على من ارتكب أحد موجباته أمر مفروض، وأمانة في أعناق أولياء الأمور، ولكن نهي عنه في أثناء الغزو أو في أرض العدو، لكون ذلك مظنة استيقاظ حمية الجاهلية في نفس من استوجبه، فيحمله ذلك على الارتداد واللحاق بالكفار فرارا من الحد وطلبا للسلامة والنجاة.

(1) (ـ إعلام الموقعين عن رب العالمين(3/ 13) وستأتي بقية كلام ابن القيم رحمه الله فيما يأتي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت