الصفحة 18 من 48

وبإزاء هذه المفسدة اللاحقة بالجاني، ثمة مفسدة هي أكثر ضررا وأعظم أثرا من مفسدة ارتداد شخص أو فراره، ألا وهي مفسدة الهزيمة وارتجاج الصف، المتسببة عن إغفال الخصوصيات الظرفية التي تحتف بالمجاهدين بين يدي العدو، وتداعي الهواجس والوساوس وخواطر التخذيل ونوازع التراجع، مما يجعل نفسية المجاهد تراوح بين صدق الولاء للدين، وبين التوجس من تفويت النفس وإزهاق الروح، أو الوقوع في أسر العدو وأغلاله.

فإذا أهملنا هذه العوارض كلها ورحنا نصر في حماسة الأطفال على تنفيذ الحد: فقد أعنا الشيطان على غايته، وشرعنا أبواب الهزيمة كي تحل بنا، وتجنبا لهذا المآل الممنوع جرى الشرع على المنع من تنفيذ الحدود في مثل هذه المواطن) [1] اهـ.

وما قيل في النصوص السابقة يقال في قوله صلى الله عليه وسلم (( من بدل دينه فاقتلوه ) ).

فلفظ (مَنْ) الشرطية في قوله (من بدل .. ) أيضا من صيغ العموم يشمل حكمه جميع أفراد المرتدين لكن إنزال هذا الحكم التجريدي على الواقع لا يكون اعتباطيا كما قدمنا، وإنما يراعى فيه ما رعاه الشارع في غيره من الأحكام، أن لا يترتب على تطبيقه تفويت مصلحة أعظم، أو ارتكاب مفسدة أكبر من مصلحة تطبيقه كما مر معنا في كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.

وإذا نظرنا إلى المفسدة التي يمكن أن تترتب على إقامة حد الردة على (الأسير المرتد) نجد أنها تفوت علينا مصلحة أعظم من مصلحة إقامة ذلك الحد وهي (حفظ دين المجاهد من الفتنة، وحفظ كرامته من الذل والاستعباد) ولا يعرف حقيقة الأسر ومرارته إلا من ذاقها ولا سيما في سجون المرتدين [2] ، ولهذا سمي المأسور (عانيا) في قوله صلى الله عليه وسلم: (( فكوا العاني ) )

قال ابن الْأثير رحمه الله: (والعاني الْأَسير وكل من ذل واستكان وخضع فقد عَنَّا) [3] اهـ.

(1) (ـ اعتبار المآلات ومراعاة نتيجة التصرفات(ص 153 ـ 151) .

(2) (ـ وجامع هذه الأوراق هو من أولئك الذين عرفوا حقيقة الأسر وذاقوا مرارته في سجون المرتدين.

(3) (ـ عمدة القاري شرح صحيح البخاري(14/ 294)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت