ونحن إذا نظرنا إلى تعليلات أهل العلم رحمهم الله في تأخير الحد أو إسقاطه عمن أتى بموجبه في حال الحرب نجد أنها نفس العلة في مسألتنا هذه، بل مسألتنا أولى، وذلك لأن من أخر عنه إقامة الحد بعد أن أتى بموجبه الوارد في الحديث كان مذنبا (سارقا) ومع هذه المفسدة، فقد راعى الشارع المفسدة الأعظم فدفعها وهي الخشية من لحوقه بالكفار مرتدا، أما الأسير المجاهد فهو محسن ولهذا كان تأخير الحد أو حتى إسقاطه من أجل إنقاذه من فتنة الأسر ـ أي مراعاة مصلحته بدرء المفسدة عنه ـ أولى بالعناية والاعتبار.
زيادة على وجود بعض المفاسد التي لا تقل حجما عن المفسدة المذكورة، وهي تثبيط المجاهدين عن القتال، وتخذيل الناس من غيرهم عن اللحاق بصفهم لأن من علم أن من يقع في أسر المرتدين فإنه لا يمكنه الخلاص من أسره، وأنه محكوم عليه بالخلود فيه تحت نير الفتنة والذل والاستعباد وهذا ما يجعل: ( .. نفسية المجاهد تراوح بين صدق الولاء للدين، وبين التوجس من تفويت النفس وإزهاق الروح، أو الوقوع في أسر العدو وأغلاله) اهـ. كما قال الشيخ عبد الرحمن السنوسي في الكلام الذي نقلناه عنه سابقا.
وهذا لكون الطريق الوحيد التي تمحض سببا لتخليص المجاهد من أسر المرتدين هو (المفاداة بالأسير المرتد) وما ثَمّ سبب آخر، أي أن مصلحة تخليص الأسير المجاهد مما يعانيه لا يمكن أن تتم إلا عن طريق المفاداة، فإذا أغلقنا هذا الباب، ورحنا مندفعين لتطبيق (الحد) على أسرى المرتدين فإننا بذلك نكون قد عطلنا مصلحة عظيمة دلت على اعتبارها الأدلة الشرعية، وأقوال الأئمة ـ كما قدمنا ـ وفتحنا باب مصلحة (إقامة الحد) والتي هي مغمورة في مفسدة عظيمة (فتنة المجاهد في دينه .. ) ، وهذا ما يناقض مقصود الشارع مناقضة بينة.
ويلاحظ أن كلتا المصلحتين (قتل المرتد) و (فك الأسير) في مرتبة واحدة أعني في الضروريات الخمس بل في ذروتها وهي (حفظ الدين) ، ولكن لما لم يمكن الجمع بينهما قدمنا فكاك الأسير على قتل المرتد لكون مصلحته أعظم، ونفعه أشمل.
وقال الإمام الألوسي رحمه الله وهو بصدد الترجيح بين أقوال الأئمة رحمهم الله في حكم الأسير الكافر في تفسيره لقوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: من الآية 4] :
قال في رده على قول من يقول: (ولا يفادى بالأسارى لما في ذلك من معونة الكفر لأنه يعود الأسير الكافر حربا علينا، ودفع شر حرابته خير من استنقاذ المسلم لأنه إذا بقي