في أيديهم كان ابتلاء في حقه فقط، والضرر بدفع أسيرهم إليهم يعود على جماعة المسلمين) [1] اهـ.
وهذا قول الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه في إحدى الروايتين عنه ـ كما ذكر ـ.
قال الإمام الألوسي رحمه الله: (ووجه ما ذكره الأئمة من جواز المفاداة أن تخليص المسلم أولى من قتل الكافر للانتفاع به ولأن حرمته عظيمة وما ذكر من الضرر الذي يعود إلينا بدفعه إليهم يدفعه ظاهرًا المسلم الذي يتخلص منهم لأنه ضرر شخص واحد فيقوم بدفعه واحد مثله ظاهرًا فيتكافئان وتبقى فضيلة تخليص المسلم وتمكينه من عبادة الله تعالى فإن فيها زيادة ترجيح) [2] اهـ
ويقول ابن القيم رحمه الله وهو بصدد بيان اهتمام الشرع بسد الذرائع:.
(الوجه التاسع: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكف عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة لئلا يكون ذريعة إلى تنفير الناس عنه وقولهم: إن محمدا يقتل أصحابه؛ فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه ومن لم يدخل فيه ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل) [3] اهـ.
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ترك إقامة الحد على مرتدين (المنافقين) مع كونه مصلحة عظيمة وهذا لعظم ضررهم وشدة خطرهم، لكونه مؤد إلى مفسدة أعظم وهي نفور الناس (غير مسلمين) من الدخول في الإسلام، أفلا يجدر بنا ترك إقامة حد على مرتد مع كونه مصلحة نظرا لما يترتب عليه من مفسدة عظيمة وهي (فتنة مسلم في دينه) ، مع أن هذه بالعناية أولى، لأن الشرع أسقط الحد لمصلحة (غير المسلمين في الأصل) رجاء إسلامهم وعدم نفورهم، أفلا نسقط نحن الحد على من هو أقل ضررا وأخف خطرا (مرتد غير منافق) من أجل مصلحة (مسلم في الأصل) ، مع ملاحظة أن الضرر الذي نريد تلافيه في كلتا الحالتين متعد (أي غير قاصر) ، ومتعلق بالدين ـ كما أسلفنا ـ.
ولا يقال إن المنافقين المذكورين لم تثبت الردة في حقهم لأنه (لم تقم عليهم بينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحكم عليهم بعلمه، والذي بلغ رسول الله صلى الله
(1) (ـ تفسير الألوسي (روح المعاني(13/ 197) :
(2) (ـ تفسير الألوسي - (روح المعاني(19 / ص 101)
(3) (ـ إعلام الموقعين عن رب العالمين(ج 3 - ص 138) .