الصفحة 37 من 48

أخرى مشابهة لها، فلا يحكم عليها بما حكم به في الأولى، بل عليه أن يجتهد في الثانية كما اجتهد في الأولى، لأنه ـ كما ذكرنا ـ قد يكون اعترى المسألة الثانية من الظروف والملابسات ما يجعلها تفترق عن المسألة الأولى في الحكم وهذا لاختلاف مناطيهما، فهي وإن تشابهت في الصورة فقد اختلفت في الحقيقة. فيختلف حكمها لذلك.

يقول الشيخ عبد الله بن خنين رحمه الله: (إن الاجتهاد في تنزيل الأحكام على الوقائع في القضاء أو الفتوى لا يستغنى عنه بالتقليد، بل هو فريضة في كل نازلة؛ لأن كل واقعة قضائية أو فتوية نازلة مستأنفة لم يسبق لها مثيل، فتحقيق المناط فيها متجدد لا ينضبط بمناط واحد، فلا يمكن التقليد فيها؛ يقول الشاطبي(ت: 790 هـ) : (لا يمكن أن يستغنى ههنا بالتقليد؛ لأن التقليد إنما يتصور بعد تحقيق مناط الحكم المقلد فيه، والمناط هنا لم يتحقق بعد؛ لأن كل صورة من صور النازلة نازلة مستأنفة في نفسها ولم يتقدم لها نظير، وإن تقدم لها في نفس الأمر فلم يتقدم لنا، فلا بد من النظر فيها بالاجتهاد، وكذلك إن فرضنا أنه تقدم لنا مثلها فلا بد من النظر في كونها مثلها أو لا، وهو نظر اجتهاد أيضًا ... ويكفيك من ذلك أن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أتت بأمور كلية، وعبارات مطلقة تتناول أعدادًا لا تنحصر، ومع ذلك فلكل معين خصوصية ليست في غيره ولو في نفس التعيين) [1] اهـ

ويقول أيضا: (إن تنزيل الأحكام على الوقائع مما لا يتم الحكم القضائي أو الفتوي إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالوقائع يتكرر نزولها، ولا يطابق بعضها بعضًا بل تختلف عنها قليلًا أو كثيرًا بحكم ما يحف بها عند وقوعها من علل دافعة، أو عوارض مانعة، أو ظرف زماني أو مكاني فلا يمكن التقليد فيها، فوجب الاجتهاد في تنزيل الأحكام على الوقائع في كل قضية تعرض على القاضي أو المفتي) [2] اهـ.

ويقول د. أحمد الريسوني في هذا المجال (تحقيق المناط الخاص) (ومما يفيد في هذا الباب، ما استنبطه العلماء من حديث النبي صلى الله عليه وسلم:(( إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم ثم أخطأ، فله أجر ) )، فقد دل الحديث على أن الحاكم ينبغي أن يجتهد كلما حكم، أي كلما هم بالحكم. ولا يغني اجتهاده مرة عن تجديد الاجتهاد في المسائل المشابهة، لأن لكل مسألة خصوصياتها مهما تشابهت مع غيرها.

(1) (ـ تنزيل الأحكام على الوقائع القضائية والفتوية في الفقه الإسلامي(ص 6 ـ 7)

(2) (ـ المرجع السابق(ص 7 ـ 8)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت