قال القرطبي: (ويفيد هذا صحة ما قاله الأصوليون: إن المجتهد يجب عليه أن يجدد نظرًا عند وقوع النازلة ولا يعتمد على اجتهاده المتقدم) .
فتحقيق المناطات الخاصة، في الأفراد والواقع، وفي الأزمنة والأمكنة. مما يساعد المجتهد على معرفة المآلات وحسن تقديرها، ليبني اجتهاده وإفتاءه على ذلك، حتى يكون أقرب إلى تحقيق المآلات والنتائج التي يقصد الشارع تحقيقها، وإلى إبعاد المآلات والنتائج التي يقصد منعها وإبعادها) [1] اهـ.
وعليه فالفتاوى الصادرة عن أهل العلم رحمهم الله إنما هي محكومة بهذا المنهج أي أنه يراعي فيها (حالة الوقت وعمل الناس ومراعاة المصالح وسد المفاسد ... ) ، فلا يجوز والحال هذه سحبها وتنزيلها على ما يختلف عنها في تلك الظروف والملابسات لأننا نكون بذلك قد أدرجنا مناطين مختلفين تحت حكم واحد وهذا باب واسع للضلال كما قال القرافي رحمه الله: (والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين .. ) [2] اهـ.
وقد أورد ابن القيم كلام القرافي هذا ثم عقب عليه بقوله: (وهذا محض الفقه، ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضر ما على أديان الناس وأبدانهم والله المستعان) [3]
والسؤال الآن: هل الواقع الذي تكلم فيه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بتلك الأحكام هو نفس الواقع الموجود حاليا بظروفه وملابساته وبالتالي يمكن تخريج حكم واقع المسلمين عموما والمجاهدين خصوصا على تلك الفتوى، أم أن الواقع غير الواقع وبالتالي يصبح مناط الفتوى متغير ولا يمكن إسقاط تلك الفتوى عليه؟.
إن البداهة تقول: بأن الواقع الذي هو محل فتوى شيخ الإسلام غير واقع المسلمين عموما والمجاهدين على وجه الخصوص في هذا الزمان.
(1) (ـ نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي(1/ 356)
(2) (ـ الفروق للقرافي = أنوار البروق في أنواء الفروق(1/ 177)
(3) (ـ إعلام الموقعين عن رب العالمين(3/ 66) :