الصفحة 41 من 48

بصدد الحديث عنه وهو القدرة على إقامة الحد الشرعي على من استوجبه (أي أتى بموجبه) ، فمن كان عاجزا عن إقامة حد من حدود الله تعالى (عجزا حقيقيا) إما لضعف السلطان، أو لترتب على إقامة الحد حصول ما هو أبغض لله سبحانه من حدوث مفسدة تربوا على مصلحة إقامته كما سيأتي في كلام ابن القيم رحمه الله تعالى، أو لغير ذلك من الظروف والملابسات، فيجوز حينئذ فعل الممكن والميسور إما بتأخير الحد، أو إسقاطه.

وهذه بعض فتاوى أهل العلم رحمهم الله في مدى تأثير الظروف والملابسات على الحدود الشرعية.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله في (فصل: [النهي عن قطع الأيدي في الغزو] .

المثال الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (( نهى أن تقطع الأيدي في الغزو ) )رواه أبو داود، فهذا حد من حدود الله تعالى، وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضبا كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم .. ) [1] اهـ.

وقد أورد هذا الحديث تحت عنوان، (فصل في تغيير الفتوى، واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد) . ثم أعقبه بقوله: (هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به؛ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى البعث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - أتم دلالة وأصدقها .. ) [2] اهـ.

وهذا يدل دلالة واضحة على ما سبق وأن قلناه أن الأحكام الشرعية ومنها الحدود يجب وأن يراعى فيها الظروف والملابسات، وما يمكن أن يترتب عليها من مصالح

(1) (ـ إعلام الموقعين عن رب العالمين(3/ 13) :

(2) (ـ نفس المرجع السابق والصفحة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت