الصفحة 42 من 48

ومفاسد، وأن الغفلة عن هذا الأصل الأصيل يوقع في مفاسد تناقض مقصود الشريعة من شرعية الحدود وغيرها من الأحكام الشرعية.

وعلى نفس المهيع والطريق المذكور في كلام ابن القيم سار الأئمة العلماء رحمهم الله تعالى.

فقد أفتى الإمام البُرزلي رحمه الله تعالى أنه إذا تعذر على السلطان إقامة الحدود، جاز له أن يضع من العقوبات الزاجرة (المالية) ما يحسم مادة الفساد، ويكف الأوغاد من الاعتداء على دماء الناس وأعراضهم، فقال: (والذي أقوله الآن في بوادي افريقية وأعرابها والبلاد النائية عنها من الحواضر التي هي محل بث الشرع، وغلب الجهل، والتعرض للأموال، والأخذ بالدماء، والهروب بالحريم، وأخذ الأموال بالخيانة والغش والحرابة والمعاملات الفاسدة، أن يفعل بهم ما يقطع هذه المفاسد من التعرض لبعض مال الجاني وبدنه وسجنه عقوبة له، فيوقف من ماله ما يحسم به مادته، إما بإعطائه للمجني عليه، أو يرد عليه إن حسنت حاله، أو يوضع في بيت المال، أو يتصدق به، كما هو في بعض المسائل الآتي ذكرها. وهذا الذي تدل عليه بعض المسائل المالكية والقواعد الشرعية والاجتهادية) اهـ.

وقد تابع الإمام البرزلي ثلة من جلة العلماء وأيدوه فيما ذهب إليه، (وقيدوا الجواز بما تعذر إجراء الأحكام الشرعية في الحدود على أصلها، وأمكن إيقاع الزواجر دونها، فإنه يؤتى بما تبلغه الاستطاعة في ذلك، وتنزل أسباب الحدود منزلة أسباب التعزيرات قياسا على الرخص المباحة للضرورة، ودفعا للمفسدة، وتوخيا تغيير المنكر على قدر الاستطاعة، وعملا بأخف الضررين، ورعيا للمصلحة العامة، وحملوا فتوى البرزلي على الضرورة) .

وممن أيد هذه الفتوى من أهل العلم:

(الفقيهان المصلحان أبو محمد عبد الله الهبطي، وأبو القاسم بن خجو .. وكانا يطوفان على القبائل صحبة بعض الفقهاء، كالفقيه موسى الوزاني، والفقيه أبي علي الحسن بن عرضون، يأمرون رؤساء القبائل بأخذ المغرم لصرفه في الغاية المذكورة) .

والغاية المذكورة هي ما قاله البرزلي: (أن يوقف من ماله ما يحسم به مادته، إما بإعطائه المجني عليه، أو يرد عليه إن حسنت حاله، أو يوضع في بيت المال، أو يتصدق به) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت