الصفحة 44 من 48

فعظم المفسدة في ذلك يغني فيه العيان عن البيان، وذلك مفض لخراب العمران، وهدم البنيان.

بل إذا تعذرت إقامة الحدود، ولم تبلغها الاستطاعة، وكانت الاستطاعة تبلغ إلى إيقاع تعزير يزدجر به، تنزلت أسباب الحدود، منزلة أسباب التعزيرات، فيجري فيها ما هو معلوم في التعزير.

وليس المراد أن الحد يسقط بذلك، ولكن غاية ذلك ما تصله الاستطاعة في الوقت دفعا للمفسدة ما أمكن، فإن أمكن بعد ذلك إقامة الحد أقيم إن اقتضت الشريعة إقامته، والظالم أحق أن يحمل عليه) [1] اهـ.

وقال الإمام التسولي رحمه الله بعد إيراده لكلام الأئمة في المسألة:

(وقد تحصل من هذا كله: أن ما شرع الله فيه حدا معلوما -كالزنى، والسرقة، والحرابة، والقذف، ونحوها- لا جوز فيه العقوبة بالمال اتفاقا، لما فيه من تبديل الحدود المعينة من الشارع سبحانه لقوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: من الآية 44] .

{الظَّالِمُونَ} [المائدة: من الآية 45] ... {الْفَاسِقُونَ} [المائدة: من الآية 47] .

اللهم إلا أن يتعذر إقامتها فيعاقب بالمال حينئذ، ارتكابا لأخف الضررين، ودفعا لأثقل المفسدتين ما أمكن، ولا يسقط الحد إن زال العذر على ما مر عن هؤلاء الشيوخ) [2] اهـ.

هذا والمسألة المذكورة ليست محل اتفاق بين فقهاء ذلك الوقت، بل فيهم من خالفها مخالفة شديدة وانتقدها انتقادا لاذعا كما فعل القاضي (أبو العباس أحمد الشماع الهنتاني) عصري الإمام البرزلي صاحب الفتوى، المتوفى سنة 833 رحمهما الله، الذي صنف رسالة في نقض هذه الفتوى سماها (مطالع التمام ونصائح الأنام ومنجاة الخواص والعوام في رد إباحة إغرام ذوي الجنايات والإجرام زيادة على ما شرع الله من الحدود والأحكام) .

ويقول الشيخ أبو محمد المقدسي حفظه الله في هذا الصدد في أخطر مسألة من مسائل الدين (التوحيد) : ( .. ومن الأخطاء الشائعة في التكفير أيضا تكفير كل من اضطر إلى

(1) (ـ أجوبة التسولي عن مسائل الأمير عبد القادر(ص 153)

(2) (ـ أجوبة التسولي عن مسائل الأمير عبد القادر(الجزائري) (ص 162 - 163) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت