و هكذا يجب أن يكون توحيد المسلم أن يركن إلى رعاية الله إذا التزم بما أمر الله تعالى، روى الترمذي في جامعه، وقال: حديث حسن صحيح، عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: كنت خلف النبي صلي الله عليه وسلم يوما، فقال:"يا غلام! إنّي أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك؛ رفعت الأقلام، وجفت الصحف".
و حين يصيبنا بلاء فهو بمشيئة الله تعالى، فهو النافع والضار على الحقيقة، فالبلاء هو تمحيص في العاجل وتمكين في الآجل، ولهذا قال سبحانه بعد ذلك:
"وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ"أي أحاط علمه سبحانه بجميع الأشياء فلا تخفى عليه خافية، أفلا تعتبرون فيما بيّنته لكم أنّ هذه المعبودات سواء تلك الّتي عُبدت من دون الله، أو تلك الّتي تُشرع من دون الله تعالى كلّ هذه المعبودات باطلة، أفلا تنزجروا عن عبادتها والخضوع لها.
/ قال:"وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ"
فقوله:"وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ"تأكيد منه على عدم خوفه ممّا أشركوا به الله تعالى أيّ كانت هذه المعبودات،"ثمّ بيّن لهم أنّ عدم خوفه من آلهتهم أقلّ عجبا من عدم خوفهم هم من الله تعالى، وهذا يؤذن بأنّ قومه كانوا يعرفون الله تعالى، وأنّهم أشركوا معه في الإلهية غيره، فلذلك احتجّ عليهم بأنّهم أشركوا بربّهم المعتَرف به دون أن يُنَزّل عليهم سلطانًا بذلك". قاله العلامة طاهر بن عاشور رحمه الله تعالى.
و هكذا مخالفتنا بل وكُفرنا بهذه القوانين الوضعية المخالفة لشريعة الله تعالى أقلّ عجبا من عدم خوف المشرعين من دون الله والمعطّلين لحكم الله من الله تعالى العزيز الجبار المتكبّر، وهؤلاء المشرّعين من دون الله يعلمون أنّ تشريعاتهم ناقصة غير كاملة، بل ومناقضة لشريعة الحكيم الخبير.
و قوله:"أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا"أي ليس عندكم حجة وبرهان من الله على صحّة ما ذهبتم إليه، بل هو محض إتباع الهوى، أو تقليد الغير فيما لا يجوز فيه التقليد، أو هو إتباع لهوى الغير، وقد حذّر الله من ذلك فقال:"وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ"