الصفحة 14 من 72

يتجلّى للقارئ هذه الحقيقة لمّا يعلم أنّ من مقاصد ديننا هو الحفاظ على الدّين والنّفس والعقل والنّسل والمال، وهذه هي ركائز الأمن، أمّا أساسه الّذي يقوم عليه هي تحقيق العدالة الاجتماعية، قال عمير بن سعد رضي الله عنه والي حمص في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"لا يزال الإسلام منيعا ما اشتد السلطان وليست شدة السلطان قتلا بالسيف أو ضربا بالسوط ولكن قضاء بالحق وأخذا بالعدل".

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أحد ولاته:"فقد فهمت كتابك وما ذكرت أنّ مدينتكم قد خربت، فإذا قرأت كتابي هذا فحصّنها بالعدل ونقّ طرقها من الظلم فإنّه معمرها، والسلام".

فلا شريعة على الإطلاق من يكفل هذه العدالة كما كفلتها شريعة ربّنا جلّ وعلا،

قال تعالى:"وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66) "سورة المائدة، وقال:"وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ"الآية 96 سورة العراف.

أمّا منظومة الأمن في القوانين الوضعية ولاسيما تلك الّتي تحكم امّتنا فهي قائمة على ترهيب المواطن والتضييق عليه وإذلاله، وذلك بالانشغال بزيادة عدد الشّرط، لمحافظة على الحكام وقوانينهم، لا على الإسلام والمسلمين كما هو معلوم ومشاهد، وإنّ زيادة من عدد الشّرط علامة على ضعف الدّول، وفشو الفساد فيها والباطل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ثمّ في سؤال أصحاب رسول صلّى الله عليه وسلّم رسول الله عليه الصّلاة والسّلام عن حقيقة الظلم الواردة في الآية، نكتة بديعة تطرّق إليها الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى، فقال: وقبل أن نغادر هذه الفقرة نحب أن نستمتع بنفحة من نفحات الحياة في عصر صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهذا القرآن يتنزّل عليهم غضّا، وتشربه نفوسهم، وتعيش به وله، وتتعامل به وتتعايش بمدلولاته وإيحاءاته ومقتضياته، في جدّ ووعيّ وفي التزام عجيب، تأخذنا روعته وتبهرنا جدّيته، وندرك منه كيف كان هذا الرهط الفريد من النّاس، وكيف صنع الله بهذا الرّهط ما صنع من الخوارق في ربع قرن من الزمان ...

بعدما أورد رحمه الله تعالى آثار الواردة في سؤال الأصحاب لرسول الله عليه الصّلاة والسّلام عن الظلم، قال: فهذه الآثار تصوّر لنا كيف كان حسّ هذا الرّهط الكريم بهذا القرآن الكريم، كيف كانت جدّية وقعه في نفوسهم، كيف كانوا يتلقّونه وهم يشعرون أنّه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت