فكيف بقوم رفعوا أصواتهم وقدّموا أقوالهم على شريعة الله تعالى، قال الله تعالى:"يا أيّها الّذين ءامنوا لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله واتقّوا الله إن الله سميع عليم"
روى مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: أنّ رجلا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله، فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لاستطعت، ما منعه إلاّ الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه.
فليتأمل أهل العقول إلى هذا الحديث كيف دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه ربّه تبارك وتعالى:"إنّه كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما"كيف دعا على رجل لم يستجب لمسألة فرعية بسيطة لدى الكثير لا سيما عند من قسّم الدّين إلى قشور ولباب، فكيف بقوم ردّوا الكثير من النصوص الصحيحة بدعاوي زائفة منحرفة، فمنهم بحجة العقل والرأي، ومنهم بدعوى الواقع و المصلحة، ومنهم بحجة التقليد والتعصب للعوائد.
جعلوا الميزان لمعرفة الحقّ كلّ شيء إلاّ الشرع الّذي رضيه لنا ربّنا تبارك وتعالى، وكلّ ذلك بزعم إتباع الشريعة، وإلاّ فمالنا نرى الزائغين عن الحجّة، الزائفين عن المحجّة، الفارقين في وسط اللّجة، يقابلون كلّ نص لم يوافق أهواءهم، ويجدون من خلاله شجا في حلوقهم وقذى في عيونهم، وريبة في قلوبهم، يقابلوه بالتكذيب و الطّعن في الناقل، ومن إستحي منهم قابله بالتحريف والتبديل"بإتباع المتشابه لردّ المحكم، فإن لم يجدوا لفظا متشابها غير المحكم يردونه به، إستخرجوا من المحكم وصفا متشابها وردّوه به، فلهم طريقان في ردّ السنن: أحدهما: ردّها بالمتشابه من القرآن أو من السنن."
الثاني: جعلهم المحكم متشابها ليعطلوا دلالته" [1] "
ويأبى الله إلاّ أن يُعلي منار الحقّ، و يظهر أدلته ليهتدي المسترشد، وتقوم الحجّة على المعاند، فيعلي الله بالحق من يشاء، ويضع بردّه وبطره و غمص أهله من يشاء، فلا حجّة لأحد على الكتاب والسنّة.
فلو صدقوا في دعوى محبتهم للشريعة، وحققوا معنى معرفتهم لها، لعلموا أن إنقياد العبد لها أليق من إعتراضه، والوقوف عند الأوامر أجمل بالمحبّ من إعتراضه.
(1) - إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين للإمام إبن القيّم (2/ 209 - 210)