الصفحة 37 من 72

وإنّ من موانع الإنقياد للحق الّذي يجمعها الكبر [1] :

مانع الحسد وهو مانع إبليس من الإنقياد للأمر، وبه تخلف الإيمان عن اليهود الّذين عرفوا صحة نبوّة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام.

مانع الرياسة والملك وإن لم يقم بصاحبه حسد، إذ لا يمكن في تصوّره وزعمه أن يجتمع له الإنقياد للحق وملكه ورياسته، كحال هرقل وأضرابه من ملوك الكفار الّذين علموا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدقه، وأقروا بها باطنا، وأحبوا الدخول في دينه، لكن خافوا على ملكهم، وهذا داء أرباب الملك والولاية والرياسة، وقلّ من نجا منه إلاّ من عصم الله.

مانع الشهوة و المال وهو الذي منع كثيرا من أهل الكتاب من الإيمان خوفا من بطلان مآكلهم وأموالهم التي تصير إليهم من قومهم.

محبة الأهل والأقارب والعشيرة: يرى أنّه إذا إتبع الحق وخالفهم أبعدوه، وطردوه عنهم، وأخرجوه من بين أظهرهم.

تخيل أن في الإسلام ومتابعه الرسول عليه الصلاة والسلام إزراءا وطعنا منه على آبائه وأجداده، وهذا هو الذي منع أبا طالب وأمثاله من الإنقياد للإسلام.

متابعة من يعاديه من النّاس للرسول صلى الله عليه وسلم، وسبقه إلى الدخول في دينه وقربه منه، وهذا القدر منع كثيرا من إتباع الهدي بكون للرجل عدو، يبغض مكانه، ولا يحب أرضا يمشي عليها، فيقصد مخالفته ومناقضته، فيراه قد إتبع الحق، فيحمله قصد مناقضته ومعاداته على معاداة الحق وأهله.

مانع الإلف والعادة و المنشأ، فإنّ العادة قد تقوى حتّى تغلب حكم الطبيعة، ولهذا قيل هي طبيعة ثانية، فيتربّى الرجل على المقالة وينشأ عليها صغيرا، فيتربّى قلبه ونفسه عليها، كما يتربّى لحمه و عظمه على الغذاء المعتاد، ثم يأتيه العلم وهلة واحدة، فيعسر عليه الإنتقال، وهذا السبب وإن كان أضعف الأسباب معنى، فهو أغلبها على الأمم وأرباب المقالات والنقل.

(1) - من كتاب مفتاح دار السّعادة للإمام إبن القيّم (1/ 179 - 185) بتصرّف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت