وهذا أبو هريرة رضي الله عنه لمّا وليّ إمارة، كان يحمل الحطب على ظهره، ويقول: طرِّقوا للأمير.
ومن أجل ذلك زكّاهم الله تعالى ورفع ذكرهم، قال تعالى:"محمّد رسول الله والّذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم تراهم ركّعا سجّدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود"الفتح [29] .
صور التواضع
وللتواضع صورا عديدة تظهر في مشي الإنسان ولباسه، وطيب كلامه، وطلاقة وجهه عند لقاء إخوانه المؤمنين.
-فمن التواضع: قبول من المعتذر معاذيره، فإنّ من أساء إليك ثمّ جاء يعتذر من إساءته فإنّ التواضع يوجب عليك قبول معذرته، حقّا كانت أو باطلا، وتكل سريرته إلى الله تعالى، وعلامة الكرم والتواضع أنّك إذا رأيت الخلل في عذره لا توقفه ولا تحاجه، وهذا واضح في قصّة يوسف عليه الصلاة والسلام مع إخوته.
ومن التواضع قبول الحق: فكما رأينا أنّ من أعظم أنواع الكبر هو جحود الحقّ وعدم الإنقياد له، فإنّ من أعظم أنواع التواضع هو قبول الحقّ و الإنقياد له.
سئل الفضيل بن عياض عن التواضع، فقال: يخضع للحقّ، وينقاد له، ويقبله ممن قاله. إنتهى
وإنّ من التواضع أن لا يتّهم دليلا من أدلّة الدّين بحيث يظنه فاسد الدلالة، أو ناقص الدّلالة أو قاصرها، أو أنّ غيرها كان أولى منه من أجل نصرة رأيه، ومتى عرض له شيء من ذلك فليتّهم فهمه، وليعلم أنّ الآفة منه، و البليّة فيه، فإنّه ما إتّهم أحد دليلا من أجل نصرة رأيه إلاّ وكان المتّهم هو الفاسد الذهن، المأفون في عقله، فالآفة من الذهن العليل لا في نفس الدليل.
وأمّا بالنسبة للغير، فاتّهم آراء الرجال على نصوص الوحي وليكن ردّها أيسر شيء عليك للنصوص؛ فوا عجبا إذا إتّسع بطلان المخالفين للنصوص لعذر من خالفها تقليدا، أو تأويلا أو لغير ذلك، فكيف ضاق عن عذر من خالف أقوالهم، وأقوال شيوخهم لأجل موافقة النصوص.