الصفحة 40 من 72

قال [1] الإمام إبن القيّم: إنّكم معاشر المقلدّين إذا قال بعض أصحابكم ممن قلدتموه قولا يخالف قول المتبوع، أو خرّجه على قوله جعلتموه وجها، وقضيتم وأفتيتم به، وألزمتم بمقتضاه، فإذا قال الإمام الذي هو نظير متبوعكم أو فوقه قولا يخالفه لم تلتفتوا إليه، ولم تعدّوه شيئا، ومعلوم أنّ واحدا من الأئمة الّذين هم نظير متبوعكم أَجَلُّ من جميع أصحابه من أوّلهم إلى آخرهم، فقدّروا أسوأ التقادير أن يكون قوله بمنزلة وجه في مذهبكم، فيا لله العجب! صار من أفتى بقول واحد من مشايخ المذهب أحقّ بالقبول ممّن أفتى بقول الخلفاء الرّاشدين وإبن مسعود، و إبن عبّاس، و أبيّ بن كعب، و أبي الدرداء، ومعاذ بن جبل، وهذا من بركة التقليد عليكم. إنتهى

ومن التواضع أنّه لا يجوز إحداث تأويل في آية، أو سنّة لم يكن على عهد السلف الصالح، ولا عرفوه، ولا بيّنوه للأمّة، فإنّ هذا يتضمن أنّهم جهلوا الحقّ في هذا، وضلّوا عنه و إهتدى إليه المعترض المتأخر، من باب أولى لا نحدث تأويل يخالف ويعارض ويناقض تأويلهم، فإنّ سلفنا الصالح والصحابة خصوصا مذهبهم أسلم وأعلم وأحكم، فهم أفقه الأمّة، وأبّر الأمّة قلوبا وأعمقهم علما، وأقلّهم تكلّفا، وأصحهم قصودا، وأكملهم فطرة، وأتمّهم إدراكا، وأصفاهم أذهانا الّذين شهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول عليه الصلاة والسلام، فنسبة آرائهم وعلومهم وقصودهم إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كنسبتهم إلى صحبته، والفرق بينهم ومن بعدهم في ذلك، كالفرق بينهم وبينهم في الفضل، فنسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم.

فكيف بمن يصرّح بأنّ علم السلف أسلم وعلم الخلف أعلم وأحكم.

قال الإمام إبن القيّم: كيف يكون الخلف من تلاميذ المعتزلة وورثة الصابئة وأفراخ اليونان الّذين شهدوا على أنفسهم بالحيرة والشك، وعدم العلم الذي يطمئن

إليه القلب أعلم بالله وأسمائه وصفاته وأعرف بها ممّن شهد الله ورسوله لهم بالعلم و الإيمان، وفضّلهم على من سبقهم، ومن يجيء بعدهم ما خلا النبيين والمرسلين، و إنّما أوتي هؤلاء المبتدعة من حيث ظنوا أنّ طريقة السلف هي الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه، وأنّ طريقة المتأخرين هي إستخراج المعاني من النصوص ممّا أوجب نبذ الكتاب والسنّة وأقوال الصحابة وراء ظهورهم، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف والكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف. إنتهى

الوصية

(1) - إعلام الموقّعين (2/ 195 - 196)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت