إذا كانت سياسة العدو هي صد الناس عن الحق إذًا العدو بمن يبدأ؟ سيبدأ بالعلماء، وسيبدأ بالدُعاة وسيبدأ بطلبة الحق. الواسطة بين الخلق والحق من؟ في الرسالة هم الأنبياء، في زمن النبوة لكن لما انقطعت النبوة من؟ هم العلماء، فيُحاول العدو أن يُسكِّت ويَقمَعَ هذا الوسيط بين الحق والخلق، حتى يَسهُل عليه بعد ذلك في المرحلة الثانية أن يَصُدَّ الناس عن الحق. وهذا فيه مخططين؛ مخطط اضطهاد أهل الحق مع إبراز رجال يكذبون على الله صباحًا ومساءً، [يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ] ، [وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] ، هذا مخطط العدو، ولهذا نجد في هذه الأزمان هذا المخطط مجسدًا من طرف هذه الأنظمة الطاغوتية الجبّارة في الأرض. همهُم، شغلهُم، إنفاقهُم الأموال، هدفهم والغاية الأسمى هو اضطهاد أهل الحق، ليَسهُل بعد ذلك صدَّ الناس عن الحق، لكن [وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ] .
اليهود والنصارى قتلوا الأنبياء، اليهود والنصارى نكَّلوا بالأنبياء، لكن هل استطاع اليهود والنصارى أن يُوقفوا زحف الحق؟ ما استطاعوا أن يُوقفوا زحف الحق.
سارت قريش أيام الكفر على ما سارت عليه اليهود والنصارى مع الأنبياء، وقريش أيام الكفر سارت مع النبي مُحمّد بن عبد الله؛ نكَّلوا بأصحابه، شرَّدوا أصحابه، اضطهدوهم، قتَّلوا من قتَّلوا، نفوا من نفوا، حتى صار أصحاب رسول الله مضطهدين في الأمصار فهاجروا إلى الحبشة الهجرة الأولى، والمرة الثانية الهجرة الثانية، والمرة الثالثة هاجروا إلى مدينة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. بل لم يقف الحال مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل حتى مع مُحمّد بن عبد الله صاحب النسب والشرف في المكة صلى الله عليه وسلم، حتى هو أُخرِجَ من دياره صلى الله عليه وسلم. هل استطاعت قريش مع هذا التنكيل والتآمر حتى مع اليهود والنصارى أيام الخندق، هل استطاع هؤلاء الكفار جميعًا أن يَصُدُّوا الناس عن الحق وأن يوقفوا زحف الحق؟ ما استطاعوا، تدرون لماذا؟ لأن الله هو الذي تكفل بحفظ الحق، الله هو الذي تكفل بحفظ الحق. فمهما قُتِلَ من الأنبياء ناهيك عن العلماء والدعاة، فالله ناصرٌ دينه، الله ناصرٌ دينه، والله حافظٌ لدينه، والله قد كتبَ لهذا الدين بالتمكين كما أخبر محمد صلى الله عليه وسلم:"... وستكون خلافةٌ على منهج النبوة"، كيف ستكون الخلافة على منهج النبوة؟ بالنور الحق الساطع الذي لا ينقطع؛ [وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ] ؛ مهما تآمر الكافرون فالله مُتِمُّ نوره.