و إذا كان بيانه جائزا أو كتمانه جائزا، فإن تكون المصلحة في كتمانه أو إظهاره أو كليهما متضمن لمصلحة، فإن كان الأول فالتعريض مستحب كتورية الغازي عن الوجه الذي يريده، و إن كان الثاني، فالتورية فيه مكروهة و الإظهار مستحب، و هذا في كلّ موضع يكون البيان فيه مستحبا كما قال الإمام إبن القيّم (3/ 184) .
قال ابن القيم (3/ 187) : فثبت أن التعريض المباح ليس من المخادعة لله في شيء، و غايته أنّه مخادعة لمخلوق أباح الشارع مخادعته لظلمه، و لا يلزم من جواز مخادعة الظالم المبطل جواز مخادعة المحق فما كان من التعريض مخالفا لظاهر اللفظ كان قبيحا إلاّ عند الحاجة، و ما لم يكن منها مخالفا لظاهر اللفظ كان جائزا إلاّ عند تضمن مفسدة.
و المعاريض كما تكون بالقول تكون بالفعل، و تكون بالقول و الفعل معا، مثال ذلك أن يظهر المحارب أنّه يريد وجها من الوجوه و يسافر إليه فيحسب العدوّ أنّه يريده ثمّ يكرّ عليه و هو آمن من قصده، أو يستطرد المبارز بين يدي خصمه ليظن هزيمته ثمّ يعطف عليه و هذا من خداعات الحرب. إنتهى
وقد عدّ البعض أنّ رواية الأحاديث الواهية في فضائل الأعمال قد يدخل في الكذب الجائز، إذ زعموا أنّ القصد منه صحيح و هو خطأ محض، بل هو هوس إذ ليس هذا من الأغراض الّتي تقاوم محذور الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ هو كذب على الله تعالى، و يؤدي فتح بابه إلى أمور تشوش الشريعة، فلا يقاوم خير هذا على حدّ زعمهم شرّه أصلا: فالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر الّتي لا يقاومها شيء إلاّ الشرك بالله، فواجب على الواعظ الإستدلال بالثابت من الحديث و طرح الواهي"فمن أهم واجباته - أي الواعظ - أن ينتقي من الكتب الّتي يقرأها عليهم ما يجمع بين العبادات و المعاملات و الأخلاق جميعا مجردا عن الشوائب الواهيات و الضعاف و الخرافيات و المسائل الفرضيات، و ذلك لأنّ رواية الأحاديث الضعيفة كما ذكره مسلم في مقدمة صحيحه محظورة و أنّ راويها غاشّ آثم، و في محكم الكتاب و صحاح السنّة كفاية عن تقحم أبواب الواهيات من الآثار و النقول على الرسول صلى الله عليه وسلم و ليس الدّين في حاجة إليها، و لا لإكمالها، و لا للترغيب، و لا للترهيب كما زعمه الوضاعون عليهم ما يستحقون، و أمّا الخرافيات و هي كلّ حكاية لا يقبلها العقل السليم، و نبذها العلم الصحيح فلا يجوز قصّها على العامّة لا لترويح النفس، و لا للإغراب، فضلا عن إعتقاد صحّتها."
و ربما يعتذر بعضهم بأنّها مروية في كتاب كذا، و لا يخفى عليك أنّه ليس كلّ ما دوّن ممّا يسوغ ذكره، و ليس كلّ تأليف متمحضا للصحيح من الأنباء، فقد حشيت التفاسير و