قال إبن جرير: يقول تعالى ذكره: وإن طائفتان من أهل الإيمان اقتتلوا، فأصلحوا أيّها المؤمنون بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضا بما فيه لهما وعليهما، وذلك هو الإصلاح بينهما بالعدل (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى) يقول: فإن أبَت إحدى هاتين الطائفتين الإجابة إلى حكم كتاب الله له، وعليه وتعدّت ما جعل الله عدلا بين خلقه، وأجابت الأخرى منهما (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي) يقول: فقاتلوا التي تعتدي، وتأبى الإجابة إلى حكم الله (حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) يقول: حتى ترجع إلى حكم الله الذي حكم في كتابه بين خلقه (فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ) يقول: فإن رجعت الباغية بعد قتالكم إيّاهم إلى الرضا بحكم الله في كتابه، فأصلحوا بينها وبين الطائفة الأخرى التي قاتلتها بالعدل: يعني بالإنصاف بينهما، وذلك حكم الله في كتابه الذي جعله عدلا بين خلقه. إنتهى. قال الله تعالى:"فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) "من سورة النساء
/ المسألة التاسعة: وجوب قتال الفئة الباغية سواء بغت بالتّعدي في القتال، أو بالعدول عن التحاكم إلى شرع الله تعالى حتّى ترضخ إلى شرع الله تعالى، ففي قوله سبحانه:"فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ"دلالة واضحة على ما بيّنته، قال الشيخ طاهر بن عاشور في تفسيره لهذه الآية: جعل الفَيْء إلى أمر الله غاية للمقاتلة، أي يستمر قتال الطائفة الباغية إلى غاية رجوعها إلى أمر الله، وأمر الله هو ما في الشريعة من العدل والكفّ عن الظلم، أي حتّى تقلع عن بغيها. إنتهى
فالغاية من قتال الفئة الباغية - و لم يُفرق ربّنا في الآية بين إذا ما كانت الفئة الباغية حاكما أو محكوما - هو أن ترجع إلى حكم الله تعالى لا إلى أحكام ما أنزل الله بها من سلطان فرضها أقوام على هذه الأمّة.
/ المسألة العاشرة: الأخوّة الّتي أثبتها الله للمؤمنين بعضهم لبعض في قوله:"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ"، هي أخوّة الدّين لا النسب، إذ الأخوّة نوعان: الأخوّة النسبية و الأخوّة الدّينية، و الأخوّة الدّينية أقوى من الأخوّة النسبية، إذ كلّ الروابط تتلاشى سواء كانت رابطة النسبية أو العصبية أو القومية أو القطرية أمام رابطة الدّينية، و تأمّل قوله سبحانه:""