فهرس الكتاب
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا.
أما بعد؛ فلا شك أيها الإخوة الكرام، أن من الأماني العظيمة، والغايات النبيلة التي يتمناها كل مسلم، ويحلم بها كل مؤمن، أن يخشع في الصلاة، وأن يرقّ قلبه، وأن تدمع عينه، والله -سبحانه وتعالى- قد علمنا في القرآن مفتاحًا لهذا، ومثالًا له أيضًا، فقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} ؛ الإعراض عن اللغو سبب-بإذن الله- لتحصيل هذه الغاية، وهو أيضًا ثمرة من بعد لوصول الإنسان إليها، واللغو هو: كل ما لا نفع فيه أو به في دين أو دنيا. وقد ثبت في الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) ، وقد اختلف أئمتنا -رحمهم الله تعالى- في الكلام، هل يُكتب كل كلمة يقولها العبد، أو لا يكتب إلا ما له أو عليه؟
فذهب الإمام مجاهد وكثير من المفسرين: إلى أن الملائكة تكتب كل ما تنطق به، حتى أن أنين النوم، وقال عكرمة -رحمه الله-:"لا تكتب إلا الخير أو الشر, وأما ما لم يكن من الخير أو الشر فإنها لا تكتبه"، قال شيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله-:"والصواب أنها تكتب كل شيء؛ لأن الله تعالى قال: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ، وهذه نكرة في سياق النفي دخلت عليها مِن فصارت نصًا في العموم"، {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ} أيُّ قول، صغيرًا أو كبيرًا، مُهمًا أو حقيرًا، له وزن أو ليس له لون ولا طعم، فإنه لديه له رقيب عتيد، يُحصيه ويكتبه, قال:"ثم إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يَعنيه) ، فإذا تكلم فيما لا يعنيه نقص من حُسن إسلامه وهذا عليه، والله تعالى قال: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} ، فأخبر أنك لا تصنع شيئًا إلا كان لك، أو عليك؛ ولذلك فالصحيح والصواب أن الملك يكتب كل فهَّة تنطق بها، ثم توزن في الحسنات، أو في السيئات، وقد تكون نقصًا في تمام الإيمان، وإن لم تكن سيئة بعينها".
ثبت عن ابن المبارك -رحمه الله- أنه قال:"قيل لوهيب بن الورد -رحمه الله-: هل يجد حلاوة الطاعة من يعصي؟ قال: ولا من يهمُّ بالمعصية", فهذا يُحرم حلاوة الطاعة، ولذَّة ذكر الله -سبحانه وتعالى-, فإذا أكثر الإنسان من الإهذار والثرثرة، فيما يعلم ولا يعلم , فيما ينفع ولا ينفع، كان هذا على حساب إيمانه ويقينه وحلاوة ذكر الله -سبحانه وتعالى- في قلبه.
وقد ثبت في مسند الإمام أحمد، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مِن حُسن إسلام المرء قلَّة كلامه) ، وإذا أيقن الإنسان أيها الإخوة الكرام، أن كلامه يُحصى عليه، فإنه سيستقلُّ منه, أرأيت لو كان أحدنا يتحدث بالهاتف في مكالمة دولية ستأتيه الفاتورة آخر الشهر يئنُّ منها جيبه، وتنكسر منها ميزانيته، أليس يحسب حسابًا للكلام؟ ويختصر ويعتصر، ولا يطوِّل في ما لا نفع فيه ولا عائدة، وهكذا الأمر عندما يشعر الإنسان أن كلامه فواتير في ميزانه، ستثقل بها موازينه أو تخف، عند ذلك أيضًا سيحسب للكلام حسابه وسيعدُّه عدًا.