الصفحة 24 من 131

ولذلك حث النبي -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا كثيرًا على ضبط اللسان وحفظ الكلام, ثبت في سنن الترمذي والنسائي وابن ماجه بسند صحيح، عن سفيان بن عبد الله الثقفي -رضي الله عنه- قال:"جئت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت: يا رسول الله، مُرني بأمر أعتصِم به"، قال: (قل ربيَّ الله، ثم اسْتَقِم) ، قال:"قلت يا رسول الله فما أتقِي؟ -ما الشيء الذي أتقيه وأحذر أذاه وعاقبته- قال: -وفي رواية للترمذي-:"يا رسول الله، ما أخوف ما تتخوَّف علي منه؟", فأخذ بلسان نفسه -عليه الصلاة والسلام- وقال: (هذا) ؛ هذا أخوف ما أخاف عليك، أن يُرديك في جهنم، وأن يسوء عاقبتك, وجاء كذلك في سنن الترمذي، عن زوج سعد بن عجرة -رضي الله عنهم جميعًا- أنها توفي عنها زوجها فقالت:"هنيئًا لك الجنة"-صحابي ومات على الإسلام وعلى لا إله إلا الله-, فقالت:"هنيئًا لك الجنة"، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وما يدريكِ أنه من أهل الجنة؟ لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، أو يبخل بما لا يُغنيه) ، ولذلك من أين لكِ أنه من أهل الجنة؟"

ونحن أيها الإخوة الأكارم قد أُمرنا بأن نكُفَّ وأن نُمسك عن فضول الكلام، وأن نبذل فضول الأموال وأن نتصدق بها في سبيل الله -سبحانه وتعالى-، فعكسنا الأمر وقلبنا الآية, وأنفقنا فضول الكلام في ما ينفع وما لا ينفع، وأمسكنا فضول الأموال.

وكذلك ثبت في الترمذي عن جابر -رضي الله عنه- بسند حسن، ورواه أحمد أيضًا بسند صحيح عن أبي ثعلبة الخُشني -رضي الله عنهم جميعًا- أنهما قالا:"سمعنا النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة الثرثارون، والمتشدِّقون، والمُتَفَيهِقُون) قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدِّقون، فما المُتفيهقون؟ قال: (المتكبرون) . الثرثارون، والمتشدقون: الذي يتشدق بالكلام، ويتكلف الفصاحة والبلاغة في تكلُّف ممجوج. وكذلك المتفيهقون وهم المتكبرون. والثرثار كما نعلم هو المِهذار ثرثار هو الذي كلامه يكثر، والمتفيقهون هو من تكبَّر."

ونحن أيضًا كما ذكرنا في أول الدرس أيها الإخوة الأكارم، من الأماني العزيزة على قلب كل مؤمن أن يخشع في صلاته، كذلك من الغايات والآمال والأحلام الكبيرة التي يُمني كل مؤمن نفسه بها، أن ينجو يوم القيامة، وقد أرشدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى مفتاح ذلك كما في الترمذي بسند حسن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص-رضي الله عنهما-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من صَمَتَ نجا) ، ألست تريد النجاة أيها المؤمن؟ ألسنا كلنا نريد أن ننجو؟ (من صمت نجا) وهذه وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ثبت في مسند الإمام أحمد، وفي سنن الترمذي، عن عقبة بن عامر-رضي الله عنهم جميعًا- قال:"قلت للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ما النجاة؟"ماهي أسباب النجاة وأصولها ومفاتيحها وأبوابها؟ قال: (أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك) ، (أمسك عليك لسانك) فلا تُطلقه فيما ينفع وما لا ينفع، (ولِيَسَعْكَ بيتك) لا تُكثر التجوال والذهاب والإياب من غير ما منفعة، وهذا إذا كان في طرق المدينة ودروب أطهر أرض الله -سبحانه وتعالى-، فكيف به في دروب هذا الزمان، وطرق هذه الأيام؟! وفعلًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت