فهرس الكتاب
من أراد النجاة فليسعه بيته ولا يخرج إلا لحاجة، وأما وخروج الشاب خاصة للتجوال، والمرور في الأسواق، والذهاب والإياب فانه يتعرض لفِخاخ لا تُحصى، ومزالق لا يحصيها إلا الله -سبحانه وتعالى-. (وابكِ على خطيئتك) ، ولو أراد كلٌ منا أيها الإخوة الأكارم، أن يعرض نفسه على هذا الميثاق، ليرى هل ينجو أم لا ينجو؟ هل أخذ بمفاتيح وأسباب النجاة أو لا؟ فأظن أننا جميعًا والله المستعان، ربما لم نحصِّل منها إلا شيئًا يسيرًا.
وذلك أن كثرة الكلام أيها الإخوة الأكارم هو مظِنَّة للوقوع في الخطأ والمعصية والزلة، كما قالت العرب قديمًا:"من أَكْثَر أَهْجَر"، من أكثر من الكلام أهجر؛ أي جاء بالهُجْر من القول: وهو الكلام القبيح السافر، كما قال تعالى: {سَامِرًا تَهْجُرُونَ} ، يعني تسمرون معًا وتتكلمون بكلامٍ سيء قبيح، وقد ثبت عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال:"من كثر كلامه كثر سقطه, ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به"، وربما زلَّ لسانك زلَّة، وفُهْتَ بِفَاهةٍ لم تحسب لها حسابًا، ولم تزنها كما ينبغي قبل أن تطلقها، يكون فيها خسارك، وسوء العاقبة والمنقَلَب والعياذ بالله.
وقد ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها-يعني يلقيها على عوائمها من غير أن يزنها من غير أن يتدبرها من غير أن يفكِّر فيها- يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب) ، وفي حديث الإمام أحمد والترمذي، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا-يعني يراها خفيفة سهلة {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} - يهوي بها في النار سبعين خريفًا) ، يعني يهوي حتى يصل إلى قاع النار بكلمة واحد.
الكلمة أيها الإخوة الأكارم قد تكون سببًا للخلود الأبدي في الجنة، وقد تكون سببًا والعياذ بالله لاستحقاق الجحيم، الكملة (لا إله إلا الله) ميثاق الجنة. وقد تكون هذه الكلمة أيضًا قد تكون الكلمة تنطق بها من غير أن تزنها، تنقض (لا إله إلا الله) ، وقد تكون سببًا لخلودك في الجحيم والعياذ بالله، ولذلك جاء في حديث الإمام أحمد، في حديث سلمان بن سحيم عن أمه قالت:"سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن الرجل ليدنو من الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيتكلم بالكلمة فيتباعد منها أبعد من صنعاء) ،كلمة ردَّته إلى الوراء هذه المسافة الشاسعة."
وعلى العكس فكما قلت قد تكون الكلمة الطيبة سببًا لرضوان الله تعالى، واستحقاق الجنان؛ ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي، عن بلال بن الحارث-رضي الله عنه- قال:"سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان اللَّه ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب اللَّه له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط اللَّه ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب اللَّه له بها سخطه إلى يوم يلقاه) ."
وما أبخلنا أيها الإخوة الكرام بالكلمة الطيبة!، نستهين بها نحن نرى دائمًا، وهذا المنظر يتكرر، نأتي إلى الصلاة وهناك باعة على باب المسجد، نمر بهم وكأننا لا نعرفهم وكأننا لم نرهم، ونبخل عليهم بكلمة