لكن حديثنا أيها الإخوة هنا ليس عن الخلاف الجوهري الذي هو هُوَّة واسعة، والذي محلُّه قواعد الملّة وأصول الدين وكليّات الشريعة؛ إنّما حديثنا عن الخلاف الفُرُوعيّ الفقهي الذي جرى بين أئمتنا فاختلوا وتغافروا ولم يختلفوا فيتنافروا، يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- معلقًا على قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [1] :"وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا أُمُورًا: مِنْهَا أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ قَدْ يَتَنَازَعُونَ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَلَا يَخْرُجُونَ بِذَلِكَ عَنْ الْإِيمَانِ، وَقَدْ تَنَازَعَ الصَّحَابَةُ -رضي الله عنهم- فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ، وَهُمْ سَادَاتُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَكْمَلُ الْأُمَّةِ إيمَانًا، وَلَكِنْ بِحَمْدِ اللَّه لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ، بَلْ كُلُّهُمْ عَلَى إثْبَاتِ مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كَلِمَةً وَاحِدَةً، مِنْ أَوَّلِهِمْ إلَى آخِرِهِمْ، لَمْ يَسُومُوهَا تَأْوِيلًا، وَلَمْ يُحَرِّفُوهَا عَنْ مَوَاضِعِهَا تَبْدِيلًا" [2] اهـ.
وهذا أمر عَجَب، يجده الإنسان جليًّا واضحًا إذا قَلَّب صفحات كتب السنة التي تنقل أقاويل الصحابة -رضي الله عنهم-، فتجد الرجل يجيء من أقصى الدنيا فيمر بابن عمر ثم يُعرِّج على عمران بن الحصين ثم يذهب إلى أُبيّ بن كعب فيسألهم؛ فكأنّما حُفِّظوا الجواب حتى يكادون يتطابقون في الحكم -رضي الله عنهم وأرضاهم-، مع أنهم اختلفوا في الفروع، وهذا يُبيِّن كيف كانت عناية النبي -صلى الله عليه وسلم- مُتَّجهة إلى تقرير قواعد الملّة وأصول الدين تقريرًا واضحًا بيِّنًا لا لبس فيه بحيث لا تحدث فيه شُقَّة أو خلاف؛ بخلاف المسائل الفُروعية الفقهيّة، فإنّ صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- قد اختلفوا، وكذلك أئمتنا ولكنهم تغافروا ولم يتنافروا.
وهنا يقع الناس بين طرفين ووسط؛ فإنسان لا يُفرِّق بين الخلاف الأصولي الذي يُحكَم على صاحبه بالابتداع والمُفارقة للدين والملة أو الخروج منها تمامًا؛ وبين الخلاف الفقهي السائغ الذي تتسع دائرته ولا يوجب التهاجر ولا التنافر، فأناس تُميّع الأمور تمامًا، وأناس لا يفرّقون بين الخلاف في الأصول الذي هو من جنس البدعة، والخلاف الفُروعيّ الجائز أو الذي لا تثريب على صاحبه إذا كان قاصدًا معرفة حكم الله -تبارك وتعالى-.
وعندما يتحدّث الإنسان في هذا الباب ينبغي أن يستصحب أصلًا مهمًا يفزع إليه ويجعله بين عينيه؛ وهو إحسان الظن بأئمتنا -رضي الله عنهم وأرضاهم-، ومن كان له قدم صِدق في الإسلام فينبغي أن لا تُمحى أو تُهدر حسناته بزلّة أو خطأ وقع فيه، يقول الإمام ابن تيمية -رحمه الله-:"إذْ كَلُّ أُمَّةٍ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَعُلَمَاؤُهَا شِرَارُهَا إلَّا الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ عُلَمَاءَهُمْ خِيَارُهُمْ"، وإلى الله المشتكى، وكأنّنا حطّت عليها سُنّة بني إسرائيل في هذا الزمان، والله المستعان،"فَإِنَّهُمْ خُلَفَاءُ الرَّسُولِ فِي أُمَّتِهِ والمحيون لِمَا مَاتَ مِنْ سُنَّتِهِ بِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا وَبِهِمْ نَطَقَ الْكِتَابُ وَبِهِ نَطَقُوا. وَلِيُعْلَمَ"
(1) سورة النساء الآية 59.
(2) إعلام الموقعين عن رب العالمين 1\ 39.