أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ قَبُولًا عَامًّا يَتَعَمَّدُ مُخَالَفَةَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي شَيْءٍ مِنْ سُنَّتِهِ؛ دَقِيقٍ وَلَا جَلِيلٍ" [1] . اهـ."
بل هم ما حلّوا لا تبوَّأوا هذه المكانة في الأمة إلا بتعظيمهم كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، إذًا فلا تثريب عليهم في هذا الخلاف، وخاصّة أن مقصد الجميع واحد وهو معرفة حكم الله -تبارك وتعالى- وتحرّي شرعه سبحانه.
ولذلك قال الإمام الشاطبي -رحمه الله- في بيان أنّ الخلاف في الأمور الفروعيّة راجع إلى الاتِّفاق:"وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ وَجْهُ الْمُوَالَاةِ وَالتَّحَابِّ وَالتَّعَاطُفِ فِيمَا بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، حَتَّى لَمْ يَصِيرُوا شِيَعًا وَلَا تَفَرَّقُوا فِرَقًا؛ لِأَنَّهُمْ مُجْتَمِعُونَ عَلَى طَلَبِ قَصْدِ الشَّارِعِ، فَاخْتِلَافُ الطُّرُقِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ، كَمَا لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْمُتَعَبِّدِينَ لِلَّهِ بِالْعِبَادَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، كَرَجُلٍ تَقَرُّبُهُ الصَّلَاةُ، وَآخَرَ تَقَرُّبُهُ الصِّيَامُ، وَآخَرَ تَقَرُّبُهُ الصَّدَقَةُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ، فَهُمْ مُتَّفِقُونَ فِي أَصْلِ التَّوَجُّهِ لِلَّهِ الْمَعْبُودِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي أَصْنَافِ التَّوَجُّهِ، فَكَذَلِكَ الْمُجْتَهِدُونَ لَمَّا كَانَ قَصْدُهُمْ إِصَابَةَ مَقْصِدِ الشَّارِعِ صَارَتْ كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةً وَقَوْلُهُمْ وَاحِدًا" [2] اهـ.
ولذلك قلت اختلف أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فأتَلَفوا -رضي الله عنهم وأرضاهم-، وقد عقد شيخ الإسلام -رحمه الله- فصلًا في توحُّد الملّة وتنوع شرائعها وتعدّدها، وجريان ذلك في أهل الشريعة الواحدة بنوع من الاعتبار، وخلاصة الكلام قبل أن نقرأه؛ أنّ الاختلاف الفروعي بين أئمتنا -رحمهم الله- في مسائل الشريعة والتَعبُّدَات بمنزلة الاختلاف بين الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام- في الفروع والشعائر والتعبُّدات، نحن نعرف أن الأنبياء والرسل كما أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام-: (أبناء عِلَّات؛ دينهم واحد وشرائعهم شتّى) ؛ أصول الملّة واحدة لم يختلفوا فيها، ولكن الشرائع تفاوتت، وكذلك الخلاف بين الأئمة في أمّتنا هو صورة أخرى للخلاف بين الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، يتّفقان من وجه ويختلفان من وجه.
الوجه الذي يتَّفقان فيه أن كلًا منهم مأمور أن يعبد الله بما أدّاه إليه اجتهاده؛ كما كان الأنبياء -عليهم السلام- مأمورون بما جاءهم من الدين، وليس من حقّ نبيّ على نبيّ أن يوجب عليه اتباعه إذا لم يكن الله أمره بذلك، بل كل منهم مأمور بالشريعة التي بلغته وجاءت إليه، وهكذا الأئمة المجتهدون كل منهم مأمور أن يعبد الله وأن يحكم بما وصل إليه اجتهاده وبما خلُص إليه بعد النظر والتأمل في البيّنات والبراهين الشرعية. ولكن وجه الاختلاف أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- معصومون من الخطأ والزلل بخلاف العلماء والأئمة -رحمهم الله-.
(1) مجموع الفتاوى 20\ 232.
(2) الموافقات للشاطبي 5\ 220.