الصفحة 35 من 131

يقول رحمه الله:"الْأُصُولُ الثَّابِتَةُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الدِّينِ الْمُشْتَرِكِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ، لَيْسَ لِأَحَدِ خُرُوجٌ عَنْهَا، وَمَنْ دَخَلَ فِيهَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ الْمَحْضِ وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَمَا تَنَوَّعُوا فِيهِ مِنْ الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ الْمَشْرُوعَةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا تَنَوَّعَتْ فِيهِ الْأَنْبِيَاءُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} ( .... ) " [1] اهـ.

فقسم تنازعوا فيه ولا يمثِّل خرقًا لإجماع ولم يعتبر من قبيل زلّات العلماء -وسنأتي لهذا إن شاء الله- فهذا من منزلة ما تنوّعت الأنبياء ولكن من وجه دون وجه، فوجه المشابهة أنه مأمور بالعمل بما أدّاه إليه اجتهاده كما أن كلّ نبي مأمور أن يعمل بما بلغه من الرسالة،"وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُوجِبَ عَلَى الْآخَرِ طَاعَتَهُ كَمَا لَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدِ النَّبِيِّينَ مَعَ الْآخَرِ، وَقَدْ يَظْهَرُ لَهُ مِنْ الدَّلِيلِ مَا كَانَ خَافِيًا عَلَيْهِ فَيَكُونُ انْتِقَالُهُ بِالِاجْتِهَادِ عَنْ الِاجْتِهَادِ وَيُشْبِهُ النَّسْخَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ"؛ يعني عالم كان على رأي ثمّ ظهر له دليل كان خافيًا عليه، فإنه يصير إليه كما كان الأنبياء يحصل النسخ في شرائعهم لظهور بيّنات ولمجيء أوامر جديدة من الرب -تبارك وتعالى-.

قال ابن تيمية -رحمه الله-:"وَقَدْ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ فِي مَسَائِلَ تَنَازَعُوا فِيهَا؛ عَلَى إقْرَارِ كُلِّ فَرِيقٍ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ عَلَى الْعَمَلِ بِاجْتِهَادِهِمْ كَمَسَائِلَ فِي الْعِبَادَاتِ والمناكح وَالْمَوَارِيثِ وَالْعَطَاءِ وَالسِّيَاسَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ". فهذا وجه الموافقة بين خلاف الأئمة داخل الملة الإسلامية وبين شرائع الأنبياء.

ووجه المخالفة أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- معصومون عن الإقرار على الخطأ، ولهذا فإن الله أمر كل واحد من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- بالتمسك بما هو عليه ظاهرًا وباطنًا، حقُ يقينيّ، وليس كذلك الأئمة المجتهدون، بل يقال فيهم إنَّ الله أمر كلًا منهم أن يطلب الحق بقدر وسعه وطاقته، فإن أصابه وإلّا {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، وهو في جميع أحواله معذور أو مأجور؛ إمّا أجر وإما أجران كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.

فمن ذمّه أو لامَه على ما لم يؤاخذه الله عليه فقد اعتدى، ومن جعل أقواله وأفعاله بمنزلة أقوال المعصوم وأفعاله -صلى الله عليه وسلم- فقد اعتدى كذلك واتبَّع هواه من غير هدى من الله، فالغلو والمبالغة وإضفاء العصمة على الأئمة مجانبة للحق، وهو كشأن النصارى، وإهدار كرامة أو مكانة ومقام الإمام بخطأ أو زلل وقع فيه لا ينبغي ولا يجوز أيضًا، وهو كشأن بني إسرائيل.

إذًا فليس المحظور جريان الخلاف في الفُرُوعيَّات؛ إنّما المحظور التعصُّب والبغي على المخالف. ولذلك يا إخوة انظروا كيف فقه أئمتنا هذه الحكاية، ونحن بالذات -أتباع المدرسة السلفيّة- أحوج الناس إلى إدراك هذه الحقائق التي قرّرها أئمتنا؛ لأنّ كثيرًا من الناس لجهله وضيق عقله ولأنّه لا

(1) مجموع الفتاوى 19\ 117.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت