الصفحة 36 من 131

يعرف خلاف العلماء يضيق عقله ويقصر نظره ويبدأ يخاصم ويواصل ويفاصل على فروع وسع أئمتنا الاختلاف فيها.

صنّف رجل كتابًا سمّاه (الاختلاف) فقال له الإمام أحمد -رحمه الله-:"لا تسمِّه كتاب (الاختلاف) ولكن سمّه كتاب (السَّعة) "، وشاع ألسنة أئمتنا -رحمهم الله-:"إجماعهم حجّة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة"، وقد ذكر هذا الإمام ابن قدامة -رحمه الله- في أول كتابه (المغني) .

وهذه -يا إخواني- حكمة الله وسنّته القدريّة الكونيّة أن الناس لا بد أن يختلفوا؛ هي سنة قدريّة وهي أيضًا حكمة شرعيّة.

يقول الإمام الشاطبي -رحمه الله تعالى-:"فإنَّ الله تعالى حَكَمَ بِحِكْمَتِهِ أَنْ تَكُونَ فُرُوعُ هَذِهِ الْمِلَّةِ قَابِلَةً لِلْأَنْظَارِ، وَمَجَالًا لِلظُّنُونِ"؛ أي فيها مجال للاختلاف، ولذلك الله -تبارك وتعالى- جاء في كثير من المواطن بنصوص غير قاطعة؛ يمكن أن تختلف فيها وجهات النظر ويمكن أن تختلف زوايا النظر والقراءة فيها،"وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ النُّظَّارِ أن النظريات لا يمكن الاتفاق عليها عَادَةً، فَالظَّنِّيَّاتُ عَرِيقَةٌ فِي إِمْكَانِ الِاخْتِلَافِ، لَكِنْ فِي الْفُرُوعِ دُونَ الْأُصُولِ، وَفِي الْجُزْئِيَّاتِ دُونَ الْكُلِّيَّاتِ، فَلِذَلِكَ لَا يَضُرُّ هَذَا الِاخْتِلَافُ." [1] اهـ. والنظريات تقابل الضروريّات، هناك أشياء ضرورية جعلها الله -تبارك وتعالى- موازين في حسّ الإنسان يزن بها الأشياء، وهناك أمور نظرية إنّما تدرك بالنظر.

النَّظري ما احتاج للتّأمُّلِ *** وغيره الضروريّ الجَليّ

فالله -تبارك وتعالى- في هذه المسائل الفروعيّة جاء بها بألفاظ مُحتمِلة قابلة للنظر، ولو كان الله - تبارك وتعالى- لا يريد الاختلاف قدرًا لبيَّن هذه الأمور بيانًا قاطعًا واضحًا لا لَبْس فيه؛ بحيث ينقطع عذر كلّ ناظر ومتأمّل، فالنظريات عريقة في إمكان الاختلاف، ولكن في الفروع دون الأصول وفي الجزئيّات دون الكليّات، فلذلك لا يضر هذا الاختلاف.

ولأن الكليات من المسائل التي قد بيّنها الشرع في الكتاب والسنّة وأقاويل الصحابة بيانًا واضحًا؛ عدّ أئمتنا الخلاف في هذا الباب من جنس الاختلاف البدعيّ؛ بخلاف الفروع الفقهيّة، ولذلك قال الإمام الزركشي -رحمه الله-:"اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُنَصِّبْ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَدِلَّةً قَاطِعَةً، بَلْ جَعَلَهَا ظَنِّيَّةً قَصْدًا لِلتَّوْسِيعِ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ، لِئَلَّا يَنْحَصِرُوا فِي مَذْهَبٍ وَاحِدٍ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ" [2] اهـ. فالمسائل الفقهية عليها أدلة شرعيّة ولكنّها ليست قاطعة وإلّا لانقطع الخلاف.

(1) الاعتصام ط الشقير 3\ 93.

(2) البحر المحيط في أصول الفقه 8\ 119.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت