مثال هذا؛ الله -تبارك وتعالى- قال: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} ؛ القُرْء في العربية يدلّ على الحيض ويدلّ على الطهر، ولذلك اختلف الأئمة؛ وإن كان الصحيح هو مذهب الأئمة الخلفاء الأربعة ومذهب الإمام أحمد ومذهب أبي حنيفة أنه الحيض، لكن المقصود أن الله -تبارك وتعالى- كان قادرًا أن يقول"ثلاثة حيض"وينتهي الأمر وتنتهي المشكلة، ولكن الله -تبارك وتعالى- من رحمته ومن حكمته أنه جاء بألفاظ محتملة؛ ومن المصالح الشرعية في هذا الباب والحكم أنّ العقول لا تجمُد بل تظلّ تتحرك وتعمل وتفكر وتتأمل.
والذي يقرأ خلاف الأئمة -خاصّة في مثل كلام ابن تيمية وابن القيّم- يجد عجبًا، خذ مثلًا قضية (القروء) ، ابن القيم -رحمه الله- تكلّم عنها في (زاد المعاد) ؛ فيأتيك بأدلة على أنّ القرء هو الحيض؛ فإذا قرأت الأدلة تقول:"والله القرء هو الحيض"، ثم يأتي بأدلة القائلين بأنّ القرء هو الطهر؛ فتقول:"لا، لا، والله القرء هو الطهر"، ثم يرجع فيردّ عليهم فترجع، فبمثل هذا ينمو العقل ويتَّسع لأنه إذا لم يعمل ركد وخمد، والله المستعان.
ولذلك عندما أدرك أئمتنا هذا الأمر لم تتَّجه همَّتهم لحسم الخلاف الفقهي بل إلى إحياء فقه الاختلاف وأدب الخلاف، ولذلك قال شيخ الإسلام -رحمه الله-:"أَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي الْأَحْكَامِ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَنْضَبِطَ؛ وَلَوْ كَانَ كُلَّمَا اخْتَلَفَ مُسْلِمَانِ فِي شَيْءٍ تَهَاجَرَا لَمْ يَبْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عِصْمَةٌ وَلَا أُخُوَّةٌ" [1] اهـ. وهذا الشافعي يقول ليونس الصَّدفيّ -رحمهم الله جميعًا-:"يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة"، قال الإمام الذهبي معلقًا:"وهذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفقه نفسه؛ فما زال النُّظراء يختلفون".
متى لا يختلف الناس؟ عندما يكون الناس كلهم إمّعات وواحد فيهم مُقدَّم فإنّهم لا يختلفون، ولكن عندما يكون الناس أصحاب عقول فلا بد من الخلاف، ليس المقصود أن نتقصَّد الخلاف -كما سيأتي-، ولكنْ عادةً الذي يستعمل عقله لا يمكن أن ينطبق مع عقل غيره تمامًا؛ لا يستعمل عقله بالنظر المجرَّد وإنّما يستعمل عقله في فقه الشريعة.
ولهذا هذا الإمام أحمد وابن المديني -رحمها الله- تناظرا في مسألة فاختصما وارتفعت أصواتهما؛ فلمّا أرادا أن ينصرفا أخذ ابن المديني بركاب ناقة أو بغلة الإمام أحمد -رحمهما الله-؛ إشعارًا بأنّنا أصفياء وبأنّ الودّ بيننا لم يتأثر.
ومن قرأ الرسائل -وقد ذكرها ابن القيم في (إعلام الموقعين) - التي كانت بين الإمام مالك والليث بن سعد -رضي الله عنهم جميعًا- في بعض المسائل يترادّان فيها ويتراجعان؛ يجد أدب أئمتنا -رحمهم الله- في هذا الباب الذي يجب أن نَرِثه وأن نتعلّمه.
(1) مجموع الفتاوى 24\ 173.