وهذا الإمام مالك -رحمه الله- عندما قال له أبو جعفر:"إنّي عزمت على أمر"؛ وهو أن يجمع الناس على (الموطأ) ، لأنّ في فتاوى الإمام مالك، فقال:"لا تفعل؛ فإنّ الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث وروايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به ودانوا به؛ وإنّ ردَّهم عمّا اعتقدوه شديد، فدعهم وما هم عليه"، فقال:"لعمري لو طاوعني على ذلك لأمرتُ به"، ولذلك قال الإمام أحمد:"لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه".
تصوّروا لو أنّنا كنّا مكان الإمام مالك؛ يأتيك الخليفة ويقول لك:"أنا أريد أن أُلزم الناس بمذهبك"، هذا يوم السَّعْد!، ولكن ما كان هكذا أئمتنا -رحمهم الله-، وأنا أقول حقيقيةً خلاصة الفقه؛ أن يعرف الإنسان وأن يفرّق بين الخلاف السائغ وبين الخلاف الذي هو من جنس البدعة، فيفرّق بين الخلاف السائغ الذي لا حَرَج فيه ما دام المقصود معرفة حكم الله وليس المقصود أن تخالف؛ وإنما لا حرج فيه إذا كنت صادقًا متحرّيًا حُكم الله -تبارك وتعالى- قاصدًا إلى معرفة أمره، كما سنشير إن شاء الله، وبين الخلاف الذي هو من جنس البدعة الذي يُهجر صاحبه ويُقرَّع ويُعاب.
إذا كان الأئمة اختلفوا -رحمهم الله- فيا ترى ما الأسباب التي أوجدت هذا الخلاف؟
فنقول الأسباب راجعة في الجملة إلى أمور:
-الأمر الأول أن لا يعتقد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال هذا الحديث؛ لم يبلغه أو بلغه بإسناد ضعيف لم يصحّ عنده ولم يثبت؛ فلم يذهب إليه ولم يقل به، قال ابن تيمية -رحمه الله-:"وَهَذَا السَّبَبُ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَكْثَرِ مَا يُوجَدُ مِنْ أَقْوَالِ السَّلَفِ مُخَالِفًا لِبَعْضِ الْأَحَادِيثِ؛ فَإِنَّ الْإِحَاطَةَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ تَكُنْ لِأَحَدِ مِنْ الْأُمَّةِ ( ... ) وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُ الْعُلَمَاءُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بِكَثْرَةِ الْعِلْمِ أَوْ جَوْدَتِهِ. وَأَمَّا إحَاطَةُ وَاحِدٍ بِجَمِيعِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فهذا لا يمكن ادّعاؤه قط" [1] اهـ.
وقد أشار لهذا الإمام الشافعي -رحمه الله- في (الرسالة) ؛ أشار إلى أن أمرين لا يحيط بهما إلا نبي؛ اللغة العربية لسان العرب، وأحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم-.
والأمثلة في هذا كثيرة؛ كحادثة (الجدّة) مع أبي بكر -رضي الله عنه-، وفي قصة عمر -رضي الله عنه- مع قضية مجوس هجر والرجوع عن الطاعون وما أشبه هذا، وهكذا سائر الصحابة -رضي الله عنهم-.
(1) مجموع الفتاوى 20\ 233.