يقول ابن تيمية -رحمه الله-:"وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ يَبْلُغُ الْمَنْقُولُ مِنْهُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَدَدًا كَثِيرًا جِدًّا. وَأَمَّا الْمَنْقُولُ مِنْهُ عَنْ غَيْرِهِمْ فَلَا يُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِهِ؛ فَإِنَّهُ أُلُوفٌ" [1] اهـ. إذًا الأمر الأول أن لا يُظنَّ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قاله، إمّا أنه لم يبلغه أو بلغه من وجه لا يصح.
-الأمر الثاني النسيان؛ وإنّما سميّ الإنسان إنسانًا لنسيانه، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فنسي آدم فنسيت ذريته) [2] ، ولذلك من الأمثلة الطريفة ما رواه الإمام أبو داوود والترمذي عن ربيعة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة -رضي الله عنهم جميعًا-: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى بالشاهد واليمين) ، فإنّ سهيلًا نسي الحديث بعض ذلك، فذكّره به ربيعة، فكان بعد ذلك يروي الحديث فيقول:"حدّثني ربيعة أنّي حدّثته عن أبي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى بالشاهد واليمين"، وقد ألّف أئمتنا كتاب (تذكرة المُؤتَسي فيمن حدَّث ونسي) ، وهذا شأن بني آدم، وكم من العلم ينساه الإنسان خاصّة مع كثرة الذنوب، نسأل الله أن يتوب علينا.
-الأمر الثالث: عدم اعتقاد دلالة الحديث على المراد؛ يعني بلغه وتذكّره لم ينسه ولكن لم يفهم منه الدلالة على المراد، إمّا بسبب أنّ الاستدلال موقوف على مسألة أصولية جرى فيها خلاف، يعني مثلًا الأمر يقتضي الوجوب ...
وافعل لدى الأكثر للوجوبِ ** وقيل للنَّدب أو المطلوبِ
وقيل للوجوب أمر الربِّ ** وأمر من أرسله للنَّدبِ
إذًا هذه المسألة فيها خلاف، فيأتي هو تفريعًا على اعتقاده أن الأمر يقتضي الندب فيقول: هذا الأمر ورد إذًا هذا الفعل مندوب إليه، وغيره يقول بل هو واجب، فيختلفان بسبب أن هذا الأمر مُفرَّع على خلاف في مسألة في أصول الفقه.
الأمر الثاني؛ قد يكون في الحديث ألفاظ غريبة يخطئ الناس أو يختلفون في فهمها أو إدراك المراد منها؛ مثل (المزابنة) و (المخابرة) و (المخاضرة) و (بيع الحصاد (، وقد اختلف الأئمة في تكييفها وتصورها.
الأمر الثالث انّ العربيّة -كسائر اللغات- قد يكون فيها مجال لتَحَمُّل وجوه النظر بالرجوع إلى العربية أو فهم مقصود المتكلم؛ كما ثبت في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا يُصلِّيَن أحد العصر إلا في بني قريظة) ، ففهم بعض الصحابة أنّ المقصود الإسراع وردّوا الأمر إلى البيِّن
(1) مجموع الفتاوى 20\ 238.
(2) انظر سنن الترمذي (3076) .