الصفحة 40 من 131

المُحكَم من أمر الشرع وهو أنّ الصلاة في ميقات مُعيَّن، فصلوا في الوقت وظنّوا أنّ المقصود الإسراع، ووقف أناس مع ظاهر الحديث فأخّروا الصلاة عن ميقاتها، فالأمر كان محتمِلًا، فإذا كان مقصود الإنسان أن يعرف حُكم الله وأن يُطيع الله وأن يَنْقَاد إلى الله -تبارك وتعالى- وإلى أمره؛ فإن أخطأ فإنه مأجور أجرًا واحدًا وإن أصحاب فله أجران.

-الأمر الرابع: الآن هو وصله الحديث وثبت عنده ولم ينسه وفهم المراد منه، لكن اعتقد أنه مُعارَض بما هو أولى بالأخذ منه، والمعارضة تكون من وجوه؛ الأمر الأول: أن يظن أنه منسوخ؛ فيقول هذا الناسخ وهو أولى بالأخذ لأنه متأخر وقد قامت البينة على ذلك وتعارض الحديثان ولا سبيل للجمع فأقدِّم المُتَأخِّر، فيظنّ أنه منسوخ.

الأمر الثاني: أن يَظُنَّ أنه مُعَارَض بالإجماع، وهذه مسألة تحتاج إلى مزيد بحث ودرس، ولكن على كل حال يقول شيخ الإسلام -رحمه الله-:"لَكِنْ لَا يُمْكِنُ الْعَالِمُ أَنْ يَبْتَدِئَ قَوْلًا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ قَائِلًا؛ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ النَّاسَ قَدْ قَالُوا خِلَافَهُ." [1] اهـ. وقد قال الإمام أحمد -رحمه الله-:"إيّاك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام"، وكان يقول:"كيف أقول ما لم يُقَل".

ولذلك كان شيخ الإسلام -رحمه الله- في بعض المسائل يُفرِّع فيقول:"إن كان في المسألة إجماع فهو أولى ما أُخذ به وإلّا فالقياس يقتضي ذلك"، وهذا مُفرَّع على أصل ينبغي أن نفهمه وهو أنّ هذه الأمّة معصومة عن الخطأ بمجموعها، فلا يمكن أن يعزُب الصواب عن مجموع الأمّة فلا يكون قائل به في عصر أو زمن من الأزمان؛ أن لا يكون في الأمّة قائلٌ بالصواب والحق.

بل شيخ الإسلام -رحمه الله- يقول في كقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [2] ، يقول:"هو يدل على أن الأمة لا تجتمع على خطأ فإذا أمرت بأمر فهو معروف وإذا نهت عن شيء فهو منكر، وأشد من ذلك وأعظم أن الأمة لا يمكن أن يكون معروف ولا يكون في الأمة قائل به" [3] ، فإذا كانت الأمة بمجموعها لم تأمر بأمر فهو منكر، وإذا لم تنهَ بمجموعها عن أمر فهو معروف، وليس فقط إذا أمرت بأمر فهو معروف وإنّما إذا لم تأمر بمجموعها بأمر فهو منكر.

-الأمر الخامس: وهذا قد سرى في المتأخرين خاصةً؛ وهو التعصّب والهوى، وهذا سبب مذموم، وقد أفضى بكثير من المُتأخرين إلى تحويل الفرع أصل وجعله قاعدة يُواصَل ويُفاصَل عليها، كما كان بعضهم يقول:"هذا -ويشير إلى تحريك الإصبع في التشهّد- فرقُ بين السلفيّ والبدعيّ"، لا والله كلامك هو البدعة، وهكذا تجد بعض الإخوة إذا خالفته في مسألة جزئية خاصّة ..

(1) مجموع الفتاوى 20\ 247.

(2) سور آل عمران الآية 110.

(3) انظر مجموع الفتاوى 19\ 176.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت