أذكر أن أحد مشائخنا كان يحدِّث أحد الشباب فقال له:"طيب هنا أخطأ الألباني"، فقال:"لا، أنا أعلم أنّ الألباني لا يمكن أن يقول برأي إلّا بحديث"، فقال له -وقد وُفِّق-:"هذا الذي تقوله هو عين عمدة المُقلّدة"، وهذا صحيح، المقلد يقول:"الإمام أحمد لا يمكن أن يقول كلامًا من عنده"، الإمام أحمد لا يمكن أن يأتي بشيء من جيبه، ولا الإمام الشافعي ولا غيرهم من الأئمة -رحمهم الله ورضي الله عنهم-، فهذا الذي تقوله وتجعله أصلًا في أن تُقدِّم كلام الألباني على سائل الأئمة، هذا من الجهل؛ لأنه هو الأصل الذي اعتمد عليه المقلِّدة، فإذا جعلته اصلًا فتقليد من سبق من أئمتنا أولى بكثر من تقليد الألباني وغيره.
أما الذي يَبْحَث للناس عن رخص فكأنّه يحاول أن يُخَفِّف عنهم أحكام الله ويبحث لهم عن مخرج، فهذا كأنه يقول:"إن دين الله تعالى شاق وفيه شدّة ولا يصبر عليه الناس ولا يحتملونه، وأنا أريد أن أخفّف على الناس فأنا أرحم بهم من الله"، والعياذ بالله!، وكما قلت: لازم المذهب ليس بلازم، ولكن هذه هي الحقيقية؛ الذي يتشرَّب حبّ هذا الدين والقناعة به وأنه هو الحق، يتحرّاه بدلائل الكتاب والسنّة ثمّ يقدّمه للنّاس على أنّ هذا هو الصلاح، وهو الترياق والدواء بإذن الله -تبارك وتعالى-، فأيضًا تتبع الرخص ليس جائز.
ولكن هنا نختم بأمر وهو أنّ أقسام الناس عمومًا في التعامل مع الشريعة ثلاثة أقسام، كما قال ابن عبد البرّ وغيره:
-هناك مجتهد؛ وهو من يتعامل مع دلالة الكتاب والسنة مباشرة، باجتهاد مطلق، وتصرُّف تام، وتحرٍّ كامل، وأهلية تامة.
-القسم الثاني هو طالب العلم؛ الذي شدا شيئًا من العلم وحصَّل بعض أصول النظر وله إدراك ومعرفة فيتحرّى في أقاويل العلماء، هو ليس أهلًا أن يُفْتِي في النوازل لأنّه لم تكمل أهليّته ولم تتمّ آلته، ولكنه قادر على الترجيح بين أقاويل العلماء ولا يخرج عن فلكهم.
-القسم الثالث هو العاميّ؛ وهذا لا حَرَج عليه أن يقلِّد من يثق بدينه وعلمه، لكن هذا العاميّ يسأل من يثق بدينه وعلمه ولا يَلْزم أن يعرف الدليل؛ وإن كان هذا هو الأفضل وهو الذي ينبغي أن نربّي الناس عليه، ولكن لا يلزمه، وهذا شبه إجماع، ولا يلزمه بعد ذلك أن يذهب ويسأل كل واحد من العلماء، إنّما يتحرّى من يثق بدينه وعلمه فيسأله، ثمّ إذا تبيَّن له عكس الحكم بدليل من الكتاب والسنة فلا يجوز له أن يَعْدِل عمّا ظهر له من دلائل الكتاب والسنة ولا يُعْذَر.
والمثل الذي يشتهر عندنا:"حُطهَا برقبة عَالم واطْلَع منها سَالم"؛ هذا مثل يهودي في الحقيقية، واليهود كما جاء في حديث ابن عمر وأصل قصّة الرجل والمرأة اللَّذين زنيا، فجاء في رواية أبي داوود: (اذهبوا بنا إلى هذا النبيِّ، فإنه نبيٌّ بُعِثَ بالتخفيف، فإن أفتانا بِفُتيا دُونَ الرجمِ قبلناها