كما قال معاذ -رضي الله عنه- كما في البخاري:"فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي" [1] ؛ أحتسب في نومتي من الأجر ما أحتسب لصلاتي وقيامي لله -سبحانه وتعالى-.
وهذا كما قال الشاعر:
أَعَاذِلَتي على إتعابِ نفسي *** ورَعْيِيَ في الدُّجى رَوْضَ السُّهادِ
إذا شَامَ الْفَتَى بَرْقَ الْمَعَالِي*** فَأَهْوَنُ فَائِتٍ طِيبُ الرُّقَادِ
"أعاذلتي"؛ العذل هو اللوم، كما يقولون:"سبق السيف العذل"،"أعاذلتي على إتعاب نفسي"أي يا لائمتي على ذلك،"ورعيي في الدجى روض السهاد": أي أنه يسهر طوال الليل."إذا شَامَ الْفَتَى بَرْقَ الْمَعَالِي، فَأَهْوَنُ فَائِتٍ طِيبُ الرُّقَادِ"؛ ولا يُنال العلم براحة الجسم، والنعيم لا يدرك بالنعيم.
وهذا الإمام أبو عاصم النبيل يُحكى طرفة عنه، يقال أن أنفه كان كبيرًا ..
لك أنفٌ يا ابن حرب *** أنِفت منه الأنوفُ
أنت في القُدسِ تصلي*** و هو في البيت يطوفُ
فتزوج امرأة فدنا منها بالليل وقد أطفأ السراج يريد أن يُقبِّلها؛ فدنا منها فقالت له:"نحّي ركبتك عنّي"، فقال لها:"هذه ليست ركبة هذا أنف."
هذا الإمام أبو عاصم النبيل يُقال أنَّما قيل له النبيل لأنّ فيلًا قَدِم البصرة، فذهب الناس ينظرون إليه؛ تراكضوا وخفقت النعال وطارت، فبقي جالسًا ولم يفارق حلقة شيخه، فقال له شيخه ابن جريج:"ما لك لا تهذب فتنظر؟"فقال له:"لا أجد منك عوضًا"، الفيل يعوَّض ولو فاتني لم يفُتني كثير خير، لكنّ مجلسك لا يعوَّض، فقال له:"أنت نبيل".
وهذا أحمد بن حنبل سافر للحج مع يحيى بن معين -رحمهم الله جميعًا- على أن ينفروا بعد الحج إلى صنعاء في اليمن ليأخذوا عن عبد الرزاق -رحمه الله-، فلقيه يحيى بن معين في الطواف فقال له:"هذا عبد الرزاق هنا، كُفينا مؤونة السَّفر"، فقال:"لا والله لا أنقض نيَّة أبرمتها لله، ولا أسمع منه إلا في اليمن"، وسافر بعد الحج لصنعاء ليسمع منه.
يقول أحمد بن حنبل -رحمه الله-:"لم يكن في قرية عبد الرزّاق بئر، فكنّا نذهب نُبكِّر قبل الصلاة على ميلين نتوضأ ونحمل معنا الماء" [2] .
(1) صحيح البخاري (4341) .
(2) مسند الإمام أحمد طبعة الرسالة 22\ 76.