هذا علي بن المديني -رحمه الله- يقول:"ربما أذكر الحديث في الليل فآمر الجارية تسرج السراج فأنظر فيه. [1] "
وكان الإمام أحمد -رحمه الله- يقول:"مع المحبرة إلى المقبرة" [2] .
وسئل سهل بن عبد الله إلى متى يكتب الرجل الحديث؟ قال:"حتى يموت ويُصبّ باقي حبره في قبره"، وقال:"يا أصحاب الحديث اجْهَدوا أن لا تلقوا الله إلا ومعكم المحابر."
وقديمًا قالوا:"من خدم المحابر خدمته المنابر."
وهذا أبو حاتم يقول عن الإمام القعنبي تلميذ الإمام مالك وأحد رواة (الموطأ) -رحمهم الله جميعا-، يقول عنه:"ثقة حجة لم أر أخشع منه سألناه أن يقرأ علينا الموطأ، فقال: تعالوا بالغداة فقلنا: لنا مجلس عند حجاج بن منهال. قال: فإذا فرغتم منه؟ قلنا: نأتي حينئذ مسلم بن إبراهيم، قال: فإذا فرغتم؟ قلنا: نأتي أبا حذيفة النهدي. قال: فبعد العصر؟ قلنا: نأتي عارما أبا النعمان قال: فبعد المغرب؟ فكان يأتينا بالليل فيخرج علينا وعليه كبل ما تحته شيء في الصيف فكان يقرأ علينا في الحر الشديد حينئذ" [3] . اهـ؛ وهذا لأنهم شغلوا أوقاتهم وعمروها بالخير -رحمهم الله تعالى-.
ومن عجيب ما ذكره الإمام النووي -رحمه الله- عن القاضي أبي الطيّب طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطَّبري، وليس هو صاحب التفسير ولكنه من علماء الشافعيّة من طبرستان، قال النووي:"الإمام الجامع للفنون المعمر -يعني طال عمره- بدأ بالاشتغال بالعلم وله أربع عشرة سنة، فلم يخل بدرسه يوما واحدا إلى أن مات وهو ابن مائة سنة وسنتين" [4] اهـ؛ يعني ثمانٍ وثمانين سنة ما تخلّف عن الدرس قط!
وهذا عبد الرحمن بن أبي حاتم -رحمه الله تعالى- يقول:"كنا بمصر سبعة أشهر، لم نأكل فيها مرقة، كل نهارنا مقسَّم لمجالس الشيوخ، وبالليل: النسخ والمقابلة"؛ يكتبون ثم يُقابلون بين نُسخهم ليستوثقوا من كتابتهم وضبطها. قال:"فأتينا يوما أنا ورفيق لي شيخًا، فقالوا: هو عليل، فرأينا في طريقنا سمكة أعجبتنا، فاشتريناها، فلما صرنا إلى البيت، حضر وقت مجلس، فلم يُمكنّا إصلاحها، ومضينا إلى المجلس، فلم نزل حتى أتى عليها ثلاثة أيام -وهم لا يجدون وقتًا لطبخها وطهوها-، وكادت أن تتغير، فأكلناه نيّئة، لم يكن لنا فراغ أن نعطيها من يشويها. ثم قال: لا يُستطاع العلم براحة الجسد" [5] اهـ.
(1) انظر سير أعلام النبلاء ط الحديث 9\ 109.
(2) انظر مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص 55.
(3) انظر سير أعلام النبلاء ط الحديث 8\ 369.
(4) المجموع شرح المهذب 1\ 509.
(5) انظر (تذكرة الحفاظ) للذهبي (3/ 830) .